فتى البلقان من الحرب إلى نهائي كأس العالم!

السبت، 14 يوليو 2018 ( 05:47 ص - بتوقيت UTC )

كان ذلك الطفلُ البالغ من العمر 6 أعوام شاهداً على أهوال ودماء حرب الاستقلال، إذ كانت كرواتيا تبحث عن الاستقلال وتريد الخروج من عباءة جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية، وذلك لم يكن بالأمر السهل حيث قُتل جده في تلك الحرب من قبل القوات الصربية؛ نتيجة لذلك قررت أسرة اللاعب المغادرة إلى مدينة زادار الساحلية والعيش كأسرة لاجئة لمدة سبعة أعوام!

لم تكن المدينة تعيش حالة مثالية من الأمن والأمان لاكتشاف المواهب ودعم النشء، فقد كانت عرضةً للهجمات من البر والبحر. الطفل الصغير كان يقضي جُل وقته راكضاً خلف الكرة بين أروقة الفندق التي أقامت به أسرته بعدما التحق والده بالجيش الكرواتي كمهندس كي يلبي احتياجات اسرته وطفله الذي فيما بعد قاد جمهورية كرواتيا الدولة التي لا يتجاوز عمرها الــ 27 عاما إلى نهائي كأس العالم 2018.

ذات يوم تلقى رئيس فريق مدينة زادار اتصالاً هاتفياً من أحد العاملين بالفندق بشأن صبي يلعب الكرة بشكل منتظم في المواقف المخصصة للسيارات، فلم يتردد رئيس النادي بالذهاب ومشاهدة الطفل عن قرب، وقد أعجب به والحقه بأكاديمية الشباب ، وقرر بنقل أسرة الطفل إلى فندق آخر قريب من النادي ليسهل على الطفل الوصول إلى الأكاديمية.كانت الحصص التدريبية ملاذًا عظيمًا من مآسي الحرب لهؤلاء الأطفال في هذه الأكاديمية، إلا أنها كانت ايضاً محفوفة بالمخاطر، فقد كانت الغارات الجوية وقذائف الهاون والقنابل اليدوية تشكل تهديدًا دائمًا على حياتهم، وكان يتوجب على الأطفال أن يركضوا إلى الأماكن المخصصة من أجل الحفاظ على حياتهم.على الرغم من الحرب، استمر تطور الطفل الذي كان يراوده الحلم بأن يكون لاعباً عظيما، وقد رأى مدربوه أنه يملك إمكانات كبيرة بسبب لمساته وحركاته مع الكرة؛ لكن التحدي الأكبر الذي واجه لوكا هو جسده الذي كان رقيق البنية، وقد كانت كرة القدم الكرواتية في تلك الأيام مليئة باللاعبين الذين بدوا أقوياء وبالتالي اعتبر الكثيرون أن "مودريتش" غير مناسب لممارسة كرة القدم بشكل احترافي!

عندما بلغ سن الـ 12 عاماً تلقى دعوة من ناديه المفضل آنذاك ( Hajduk Split ) كي يخوض التجربة لكنها لم تكتمل فقد ابلغ اللاعب الناشئ بأن يأتي في العام المقبل ؛ لأنه لن يستطيع مجاراة الاحتكاك البدني مع اللاعبين الآخرين ! استولى اليأس على الصبي فقرر أن ليس له مستقبل في كرة القدم لكن توميسلاف بيسك رئيس أكاديمية شباب زادار استطاع إقناعه بخلاف ذلك حيث جعله يؤمن بأنه يملك موهبة فريدة من نوعها، وبث فيه روح الكفاح والمواصلة حتى يجتاز العقبات وأكد له أنه يحتاج إلى العمل الجاد و الزمن كفيل أن يجعله يحقق كل ما أراد! قام بيسك بتعيين مدرب شخصي للعمل مع المراهق ومساعدته على إعادة بناء الثقة وتطوير مهاراته وتأهيله بشكل احترافي. وإذا طالعنا سير الناجحين من حولنا لوجدنا أن كل واحد منهم لديه قصة حبلى بالمعاناة رافقت بدايته وساهمت بصنع النجاح الذي يعيش فيه ، وعادة ماتكون الإخفاقات وقوداً ودافعاً للمثابرة!

في عام 2001 وقع لوكا مودريتش مع نادي دينامو زغرب وانطلق في مشوار الصعود إلى القمة وكان له ما أراد. لم يكن لوكا معروفاً على صعيد القارة الأوروبية فقد كانت بطولة كأس الأمم الأوروبية في صيف عام 2008 هي الانطلاقة الحقيقة لهذا اللاعب، فقد ظهر بأداء مثالي يحاكي فيه الأسطورة الهولندية يوهان كرويف ما دفع إدارة نادي توتنهام الإنجليزي بتقديم عرض بقيمة 21 مليون يورو من أجل الانضمام إلى الفريق اللندني وقد تمت الصفقة قبيل انتهاء البطولة!

ربما تفاجئ البعض من وجود كرواتيا كطرف في نهائي كأس العالم 2018 لكنهم ايضاً لم يتفاجؤوا بالمستوى الذي ظهر به الساحر لوكا مودريتش إذ أن اللاعب كان ومازال من أهم العناصر التي ساعدت ريال مدريد بالتتويج بالألقاب خلال الأعوام الخمسة الماضية.

عندما تشاهد لوكا وهو يتحرك في الملعب تشعر أنه يملك نظاماً ملاحياً في رأسه ، ويستطيع أن يحفظ أماكن اللاعبين ومواقعهم طيلة دقائق المباراة! في لقاء نصف النهائي أمام إنجلترا قدم لوكا عرضاً فنياً رائعاً ، ودرساً أخلاقياً راقياً عندما أوصى وسائل الإعلام الإنجليزية بأن تبدي الاحترام إلى المنافسين إذ كان تعاطيها سلبي و غير مهني في مباراة نصف النهائي ؛ فقد طغت سمة الغطرسة ،والاستخفاف ، والتهاون بالخصم بدعوى أنهم مرهقون ماجعل مودريتش عقب اللقاء يخاطبهم عبر قناة  "آي تي في" البريطانية قائلاً :

"الصحفيون الإنجليز، المحللون في التلفاز، جميعهم قللوا من كرواتيا، وكان ذلك خطأ كبيرا من جانبهم، نحنأخذنا كل هذه الكلمات التي تفوهوا بها، وكنا نقرأها، وكنا نقولحسنا، سنرى من سينتهي به المطاف مُرهقا.. عليهم أن يكونوا أكثر تواضعا، وأن يحترموا خصومهم أكثر".

ربما إذا توجت كرواتيا بكأس العالم يوم الأحد المقبل سيكون حصول لوكا مودريتش على جائزة الكرة الذهبية لهذا العام مجرد مسألة وقت لا أكثر ، وسيكون أيضاً إعلاناً واضحاً بأن عصر المنافسة بين ميسي و رونالدو قد إنتهى ، وأن هناك أسماء أخرى قد نراها في قادم الأعوام !

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك أيضا

 

حياة الإخبارية