"كيرمت" الضفدع والمصريون.. بين النكتة والواقع

الجمعة، 2 مارس 2018 ( 07:25 ص - بتوقيت UTC )

كيف يتناول اللحظة بكل ما فيها من تنوعات سياسية واجتماعية، وبكل ما تعبر عنه من مواقف ومشاعر؟ وكيف يراه البعض معبراً عنهم بكلمات تبدو ساخرة، وعلى لسان ضفدع غير موجود في الواقع؟ 

ربما لأنه الغريب الذي لا نعرفه، والغريب الذي يتحدث عنا ويعبر عن مشاعرنا ويمضي.  هو المساحة الآمنة التي يمكن للبعض أن يعبروا فيها عما يرغبون في قوله من خلال إعجاب أو مشاركة وتعليق ساخر.

كانت تلك بعض الأفكار التي تواردت على هامش متابعة عدد من الصفحات المصرية الساخرة على "فايسبوك"، والتي تتخذ من "كيرمت"، أو "الضفدع الأخضر"، أيا كان الاسم المستخدم، شخصيتها الرئيسية للحديث عن النفس والعلاقات مع الآخرين، وما يحدث في مصر، وما يحدث في غيرها أحياناً.

خرج كيرمت، الذي ظهر للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1955، من عالم سمسم وغيره من البرامج والأفلام المعروفة، إلى أرض الواقع ساخراً من نفسه ومما حوله، وتحول إلى شخصية مهمة فى المشهد المصري، على الأقل في عالم الصفحات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

ربما تسأل نفسك أحياناً، كيف تضحك وأنت في الأصل حزين؟ تبحث عن "أحلى سنين العمر". يظهر الضفدع جالسا على الشاطئ في صورة تعبر عن السعادة قبل أن تصطدم بتعليق عميق يؤكد فيه أنه يبحث عن "ولاد حلال" للنزول إلى قاع النهر والبحث عن خير السنين، وفقاً للمثل الشعبي القائل: "اعمل الخير وارميه في البحر".

 

وكما يتعجب من الخير الذي رماه في البحر، يقف أمام كلمة متكررة الاستخدام في السياق المصري، وهي "معلش" أي آسف. كلمة تبدو مفتاحية تتكرر في المرض وفي لحظات الألم والوجع وغيرها. وفي حين يتراكم الخير في البحر، تتراكم "معلش" فى الواقع، ويبحث الضفدع عن تحويلها إلى عملة قابلة للصرف عبر عرضها في السوق في حالة كان هناك مشترِ بالطبع.

ومن بين التعليقات الساخرة، سؤال الضفدع عن سبب تجمع عدد كبير من الناس في المكان، وعندما يرد صديقه بأنه تم العثور على "واحد مبسوط"، يعلق: "يا ساتر يارب.. جابوه منين ده (هذا)؟". هذا "المبسوط" الذي تحول إلى عملة نادرة، كما هي "السعادة"، التي يبحث عنها، وتأكيده أنه فى كل مرة يحاول أن ينشر السعادة "تسقط منه المشابك".

تعبر تلك الصفحات عن الحالة المصرية العامة، وهي تتنقل بشكل طبيعي بين تعبيرات تثير الضحك وأخرى تثير الحزن والشجن على طريقة الكوميديا السوداء؛ اتساقاً مع السخرية المصرية بوصفها سخرية من الذات وعليها، ومن الذات والآخرين.

هي محاولة لتخفيف وجع شخصي وعام، وكسر هالة يرى الفرد أنها غير حقيقية ولا يجب أن تستمر، وإن لم يكن قادراً على مواجهتها مباشرة فإنه يواجهها بأكثر أسلحته قوة، وهي السخرية.

سخرية تطرح تساؤلات مهمة، وإن كانت بطريقتها الخاصة، عن أشياء تمر عادة بوصفها مسلمات. عندما يطالبه صديقه بعدم وضع الهاتف على الشاحن أثناء النوم مثلاً، يسأله بجدية، "وهو الموبايل هيعرف منين إني نائم؟".

 

ويتجاوز هذا لمواجهة البشر عندما يتعجب من الحديث عن السمات الإيجابية لكل الأبراج، وكيف أن كل من ينتمي لبرج معين يتميز بالبراءة والطيبة، في حين تنتشر الشرور على الأرض.

أسئلة بلا إجابات لأنها تساؤلات ساخرة، ظاهرها جلب الابتسامة، وباطنها التفكير في المعنى ومواجهة الذات. ولكنها قد لا تكون دوما مواجهة دقيقة وحقيقية، وهو ما يظهر من التعليقات ومن إعلان الضفدع عن رغبته في الاعتذار لبعض البشر "على كل حاجة حلوة قلتها عليهم قبل ما أعرفهم"، وتأكيده أنه واجه نفسه بعيوبه "وأنكرها جميعا".

توضح تلك الصفحات المدى الذي يمكن أن تصل إليه السخرية في القسوة والعمق، وسط دورها الطبيعي في إثارة الضحك، وربما تكون تلك التركيبة هي سبب انتشارها وشعبية الكثير من المقولات الواردة فيها.

في النهاية نحن نضحك على الكوميديا، ثم نضحك على أنفسنا، ونضحك على من يرى أنه قادر على الضحك علينا. رسالة تؤكد قدرة المصري على استخدام السخرية لتجاوز السقوف مهما كانت بشكل قد يكون غير مباشر، ولكن الرسالة التي يحملها شديدة الوضوح والتعبير بطريقة السهل الممتنع، حتى أنها تطرح أحياناً حلولاً خارج الصندوق.

وإن كانت مشكلة زيادة الوزن يمكن أن تحل بسهولة، بتصور أنك على الكوكب الخطأ، وأن "وزنك أخف من الريشة في المريخ"، فالفكرة تحتمل التوسع وأن يكون جزءاً من المشكلة التي تواجهها مرتبطة بالوجود في المكان الخطأ، أو في العمل الخطأ، أو وسط الصحبة التي لا تقدر ولا تحفز إمكانياتك، أو أمام المرآة الخطأ التي لا تستطيع عبرها رؤية ذاتك وقدراتك.

 

 

كيف ينعكس الإحساس بالوجود في المكان الخطأ على إحساس عميق بالوحدة وضع يبدو واضحاً في الصورة التي استلم فيها الضفدع رسالة بالخطأ تدعوه للخروج، وعندما يعتذر المرسل، يطالبه الضفدع بالسماح له بالخروج معهم بوصفه "جميل لن ينساه". لحظة المهم فيها الصحبة بدون تحديد للشخص أو المكان، هي تعبير عن إحساس الوحدة الذي قد لا يبدو واضحاً على الشخص بالضرورة. 

هي مجرد صفحات ساخرة، قد ترتبط بضحكات وابتسامات عابرة، ولكنها بقصد أو بدون قصد لحظة تعرية لأشياء كثيرة، حتى ونحن نختار الصفحات التي نتابعها، والصور التي نعجب بها أو نشاركها.

يواجهنا الضفدع بحقيقة أن "معلش" لا تغير الوجع، والطبيعي أنه من الممكن أن يكون هو الأمل في لحظة أخري. يوضح كيف يتغير حال لحال، وكيف تتحول الضحكة إلى حزن، والحزن إلى فرح، وكلمة عابرة إلى خطاب مهم للذات وعنها. وكيف يتحول ضفدع إلى صورة معبرة عن السخرية المصرية بكل أنواعها وتناقضاتها.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية