عن التجربة اللبنانية في غزو الفضاء.. هذا ما بلغته صواريخ "الأرز"

الأربعاء، 28 فبراير 2018 ( 11:34 ص - بتوقيت UTC )

قبل عامين تقريباً نفض تقرير تلفزيوني الغبار عن التجربة اللبنانية في غزو الفضاء، فأثار الموضوع دهشة اللبنانيين، شكك البعض بصحة الخبر واعتبره البعض الآخر دعابةً، بينما طرح آخرون أسئلةً تحاول فهم ما حصل من بينها: متى، أين، كيف، والأهم لمَ انتهت الأبحاث والتجارب وأُبعد الموضوع برمّته عن التداول؟. لكن الزوبعة التي أحدثها هذا التقرير ما لبثت أن هدأت فنسيه اللبنانيون.

الحلم.. الواقع

في ظاهر الأمر يبدو دخول اللبنانيين على خط المنافسة بين الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي (قطبي النصف الثاني من القرن الماضي)، في تنافسهما المحموم نحو الفضاء والوصول إلى القمر، ضرباً من الخيال لكنه حدث، وضرباً من الجنون، لكنه لم يتطلب سوى جرأة أستاذ وحماسة طلّاب، وبيئة داعمة وصلت إلى رئاسة البلاد.

في عام 1960 التحق مانوك مانوكيان بجامعة هايكازيان في بيروت أستاذاً للرياضيات والفيزياء، بعد نيله إجازة في هذا المجال من احدى جامعات تكساس الأميركية، ثم عيّن مستشاراً لنادي العلوم في الجامعة، ما سمح له بأن يخطو الخطوة الأولى نحو شغفه بالصواريخ، من خلال إنشاء نادي الصواريخ لجامعة هايكازيان مع مجموعة من طلابه ولأهداف علمية.

هذا النادي الذي انطلق مع الدروس النظرية في الرياضيات والفيزياء المتخصصة بالصواريخ، تسارعت خطواته، بفضل حماسة أعضائه، نحو التجارب العملية، فازداد نشاطه إثارة.

التجربة الأولى تمت في مزرعة تملكها عائلة أحد الطلاب، الثانية، وقد تتابعت المحاولات، في منطقة عين سعادة في 1961، ثم في صنين بعد شهر من المحاولة الثانية. وكانت الصواريخ في كل مرّة بمواصفات معدّلة، فبلغت مسافات مضطردة. لاحقاً أجروا اختبارات على صواريخ تحمل أكثر من طبقة، هذه المرّة بإشراف من الجيش اللبناني، وقد حمل الصاروخ إسم الأرز2.

في آب/ أغسطس من ذاك العام دعا رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك فؤاد شهاب النادي إلى القصر لتهنئته، وخصّه بدعم معنوي ومادي وبمؤازرة كبيرة من الجيش، فحذت شخصيات عدة حذو شهاب في دعم النادي.

النادي اللبناني للصواريخ

النادي الجامعي تحوّل في فترة وجيزة، بتلقيه دعم من الدولة وانضمام مجموعة من الخبراء إليه، إلى نادٍ أكبر، تحت اسم "النادي اللبناني للصواريخ"، وهو العبارة التي تنطلق معها المعادلة التي جمعت بين الصواريخ ولبنان في العام 1960، وجعلت من بلاد الأرز أول دولة شرق أوسطية تجري تجارباً في غزو الفضاء.

النادي، الذي شهد تأسيس منصة للجيش اللبناني في الضبية، وإطلاق صواريخ من طبقتين ثم الإستعداد لإطلاق أخرى من ثلاث طبقات، أطلق من خلال تعاون النادي اللبناني ونادي الطلاب والجيش "الأرز 3" بمناسبة عيد الإستقلال في 1962، "الأرز 4" في 21 تشرين الثاني 1963. وقد تزامنت هذه الإنجازات مع غياب مانوكيان الذي عاد إلى الولايات المتحدة الأميركية لنيل شهادة الماجستير.

نهاية الحلم

شهدت التجربة اللبنانية في غزو الفضاء انتكاستها الأولى في غياب مانوكيان عن لبنان، إذ وقع انفجار ضخم في جامعة هايكازيان بسبب مزج طالبين لبعض المواد، وقيل أن الحادثة تسببت بفقدان أحدهما لبصره، لكنها لم تنهِ المشروع، الذي اتخذ بعداً وطنياً وواكبته الصحافة اللبنانية والمهتمين العرب والأجانب وسفارات دول كبرى. فتوالى إطلاق "الأرز" نحو السماء. وبعد أن انفجر "الأرز5" على المنصة، أُطلق في 23 أيلول من العام 1964 "الأرز 6" الذي ارتفع حتى 14 كليومتر مع امتداد 40 كليومتر، وفي 12 أيار 1966 أُطلق "الأرز 7" فارتفع حتى 70 كيلو متر مع امتداد 100 كيلو متر.

"الأرز 7" انفجر وشكل اخفاقاً في سلسلة التجارب. لكن "الأرز 8" انطلق بعد ذلك، وبلغ مداه أكثر من 400 كيلومتر، فأضاء سماء لبنان قبل أن يسقط في الساحل الجنوبي لقبرص، ولم يتحقق بالتالي هدف إيصال قمر اصطناعي بداخله الفأر ميكي إلى الفضاء. كما قيل أن الصاروخ سقط بالقرب من سفينة تابعة للبحرية البريطانية، فاحتجت بريطانيا رسمياً ضد لبنان أمام مجلس الأمن.

بعد أيام على إطلاق "الأرز 8"، عاد مانوكيان مجدداً إلى الولايات المتحدة الأميركية للحصول على الدكتوره في الرياضيات. وكذلك فعل عدد من الطلاب الذين عملوا على المشروع بعد أن حصلوا على منح للتعلم في الخارج.

لمَ انتهت التجارب في العام 1966؟ بعد أن تمكنت من الوصول إلى طبقة الثرموسفير (الطبقة الرابعة من الغلاف الجوي)، ونسي اللبنانيون تباعاً الحلم الذي راودهم في الوصول إلى الفضاء؟ تُعيد بعض الروايات الأمر إلى الإنفجار الذي وقع في الجامعة. إلا أن روايات أخرى تجزم أن التجارب اللبنانية أثارت حفيظة الغرب، وأن الرئاسة اللبنانية أخذت بنصيحة الرئاسة الفرنسية، حيث نُقل عن شارل ديغول ما قاله لشهاب بعد إطلاق "الأرز 10" ومفاده "أنكم أثبتّم قدراتكم في المجال العلمي، ولا داع لتعريض لبنان إلى الخطر".

طوابع.. فيلم ومجسّم

في أوج مرحلة إطلاق صواريخ "الأرز"، صدرت طوابع تحمل رسم "الأرز4" وتظهر فخر اللبنانيين دولةً وشعباً بهذا الإنجاز النوعي عبر تطوير صواريخ بالستية محلياً ومحاولة بلوغ الفضاء عبرها.

بعد ما يزيد عن نصف قرن سُلّط الضوء على تلك التجربة وسنينها المضيئة من خلال فيلم أعده المخرجان خليل جريج وجوانا حاجي توما تحت عنوان "النادي اللبناني للصواريخ"، بعد أن كانت غابت عن الذاكرة الجماعية اللبنانية، عارضاً لوقائع تاريخية عن صناعة الصواريخ المحلية ولتجربتها في الجبال اللبنانية. كما عرض لدخول الجيش اللبناني شريكاً في هذه التجربة ولمشاركة الضابط يوسف وهبي الذي قدم الكثير لها. كما ينقل عن مانوكيان قوله أن ضغوطاً سياسية خارجية هي التي أوقفت هذا المشروع بعد قرار أصدره الرئيس شهاب.

جريج وتوما أعادا تصنيع "الأرز4" في مجسّم قدماه لجامعة هايكازيان في نهاية الفيلم، ليكون بوجوده في باحة الجامعة خطوةً تكريمية وتذكارية.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية