صناعة العود التونسي: حرفة متوارثة.. تهددها قلة اليد العاملة الشبابية

الجمعة، 23 فبراير 2018 ( 04:53 ص - بتوقيت UTC )

وأنت تخرج من زقاق سيدي بن عروس متجها إلى "الحفصية" تاركا مقهى "الشواشين" على يمينك، سوف يعترضك قوس رخامي عتيق كبير على يساره ردهة صغيرة نحو "الدريبة".. أتركها على يسارك أيضا وواصل في نهج الباشا كأنك تقصد بيت الشعر التونسي.. هناك ستجد صانع العود التونسي المعروف عبد اللطيف بالأصفر، وعند الاقتراب من ورشته تبدأ في الاستماع لأصوات الأوتار وهي تعزف فتفهم أن حريفا قد أتى يجرب عوده استعدادا لأخذه.

تدخل الورشة دون استئذان، لأن أحدا لن يسمعك بسبب وجود العديد من الحرفاء وهم بصدد تعديل الأوتار فتسمع "أعطيني صول"، "شدّ الوتر أكثر"، "هذا الوتر لا يعطي درجة الرّاي التي أريدها"، "ما أجمل روح هذا العود !"... ولن يفطن بك عبد اللطيف سوى عند الوقوف أمامه تستأذنه للحديث.

تتكون ورشة عبد اللطيف بالأصفر من غرفة واحدة، تتوسطها منضدة خشبية سميكة وقد ظهر عليها فعل طول الدهر وتحملها للعمل عليها بشكل يومي ودون توقف. وحذو المنضدة ينصب كرسي خشبي طويل يتلاءم مع ارتفاع المنضدة. وبجانب المنضدة كرسي صغير وطاولة ومصباح كهربائي وضع خصيصا للتثبت من مكان الوتر وكيفية برمه حول "عصفورة التعديل". أما الجدران فهي مغطاة بأعواد قديمة أو أخرى بصدد العمل عليها وأخشاب متنوعة وآلات لصقل الخشب.

يقول عبد اللطيف "لقد ورثت هذه الورشة عن أبي عن جدي، ولي الآن أكثر من 40 عاما في هذه المهنة، لا أقوم بأي شيء سوى تلقي الاتصالات من العازفين والأساتذة والهواة وأكتب المواصفات التي يريدونها ثم أبدأ في العمل. وفي بعض الأحيان أرفض بعض العروض لأن جدول التزاماتي مليء ولا يمكن لي صناعة أكثر من عود واحد في الأسبوع، فالإنتاج الجيد يجب أن يأخذ وقتا".

المعروف عن عبد اللطيف زيه الأبيض أو "البلوزة" كما يسميها، وهو يتحرك بين الآلات الموسيقية بسلاسة رغم ضيق مساحة الورشة، وتمتد أصابعه إلى جميع معداته التي يحفظ أماكنها عن ظهر قلب فيشد أوتار هذا العود قليلا ثم يعزف برهة ولا يترك الآلة من يده حتى يتأكد من أن سلمها الموسيقي سليم. ويؤكد الحرفي التونسي أن "خطأ بمليمتر واحد قد يفسد كل السلم الموسيقي" مشيرا إلى أن هذه الورشة متوارثة عن عدة أجيال "حيث صنع أبي محمد بالأصفر أول كمان في تونس وافريقيا في عام 1963" وهو يشير في الوقت ذاته إلى صحيفة تعود للعام ذاته وتتحدث عن هذا الكمان.

وشدد على أن الشغف بالموسيقى وبهذه الحرفة سيطر عليه منذ الطفولة مضيفا انه "لا يمكن أن تكون صانعا للآلات الموسيقية ما لم تكن شغوفا بالموسيقى وعارفا بها.. فإتقان الموسيقى عزفا واستماعا شرط أساسي بل حيوي في هذه الحرفة".

ويشير عبد اللطيف بالأصفر إلى أن حرفة صناعة العود في تونس مهددة اليوم بقلة اليد العاملة ولا يقبل الشباب اليوم على تعلم هذه الحرفة مما يجعلها تحت خطر الاندثار عبر الأجيال، لكنه يستدرك قائلا "ويقر "التطور التكنولوجي أثر بشكل كبير على هذه الحرفة فقد قل بشكل ملحوظ الإقبال على آلة العود ولم يعد يستعملها إلا الموسيقيون والمختصون لكن رغم كل شيء ورغم كل الصعوبات ومهما تطورت الموسيقى يظل العود سلطان الآلات الموسيقية ولن يندثر".

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية