المفتّقة.. طقس بيروتي في حب الحلوى

الجمعة، 2 مارس 2018 ( 10:10 م - بتوقيت UTC )

عُرفت فريدة بـ "البيروتية" في القرية التي انتقلت إليها بداعي الزواج قبل خمسين عاماً، وحتى اليوم ما تزال تحتفظ باللقب. وفي كثير من الأحيان يُستعان به وحده عند الحديث عنها.

البيروتية قالت، البيروتية فعلت، فلان ابن البيروتية أو بالقرب من منزل البيروتية... دون أن يُلغي ذلك اندماجها بالمجتمع الذي انتقلت إليه. فهي على علاقة وثيقة بمحيطها، تشارك بالأفراح وتواسي في الأتراح، وتفتح بيتها لكل صديق وقريب.

فريدة كانت فريدةً بالفعل في تلك القرية التي اعتاد أهلها على المصاهرة "المحلية"، لذا كانت مختلفةً عن المكان، ومن غير ناسه، فظهرت في البدء لهجتها كعلامة فارقة، ثم أثارت الاهتمام بعاداتها الغريبة التي امتزجت تباعاً مع عادات أهل القرية، فشكّلت أسلوبَ حياة هجين لم يتأثر بالبيئة الجديدة فحسب بل أثْراها أيضاً.

ثم يفقس السارج

عند زواجها حملت العروس فريدة إلى مسقطها الجديد جهازاً حاكت بعضه على السنارتين وطرزت بعضه الآخر بالإبرة. في إحدى زياراتها اللاحقة إلى بيروت، اشترت نرجيلة "نكهة" ترافقها كل صباح على الشرفة بمعيّة الجارات، ما جعلها صورةً طبق الأصل للمتعارف عليه عن البيارتة في كلامهم ومجلسهم.

حين أخبرت فريدة جاراتها عن نيّتها طبخ "المفتقة" للمرة الأولى استغربن التعبير، واحدة منهن فقط كانت سمعت عن الحلوى البيروتية لكنها لم تتذوقها قط. لذا عقدن العزم على التعرف إلى "المفتقة" لتكون تحلية جديدة للطبخات البيروتية التي تعلّمنها كالمأمورة والكبة الأرنبية والأنواع الجديدة من العجّة.

جمعت فريدة عصر ذاك اليوم الجارات بعد أن حضّرت المكونات: رز مصري، طحينة، كركم، سكر، جوز وصنوبر، وأحضرت قدراً كبيراً أشعلت من تحته النار.

في البدء سلقت الرز وحين بات طرياً يسهل سحقه بالإصبع، أضافت إليه الطحينة والكركم والسكر. ثم راحت تتناوب هي والجارات على التحريك، لا بصورة دائرية بل باتجاه واحد وبملعقة خشبية ذات يد طويلة تُسهّل الإجراءات المطلوبة. ساعة، اثنتان، وطال العد حتى وصل الى ست ساعات، "فقس في ختامها السارج"، أي ظهرت فقاعات الزيت من بين عجينة المفتقة الصفراء والمتجانسة، فانتهت المرحلة الصعبة.

في صحون متفاوتة الحجم وزّعت النسوة العجينة، ثم زيّنها بالجوز والصنوبر. وقد ذهلن، رغم ما بدا عليهن من تعب، برائحة "المفتقة" ولونها وطعمها، فأشارت إليهن فريدة بأن تأخذ كل واحدة حصتها من الحلوى وأن يمررن صحوناً على الجارات الغائبات.

حلوى المناسبات

في المرة الأولى انصبّ تركيز فريدة على صناعة الحلوى وتقديم الشروحات اللازمة حول طريقة التحضير، في المرّات التي تلتها تحدثت للجارات عن تاريخها، عن بيئتها، وطقوس أكلها.

أخبرتهن، عندما ركنت إلى نرجيلتها لتستريح من التحريك بعد أن تولت أخرى المهمة عنها، أن أهل بيروت يصنعون "المفتقة" منذ زمن طويل. التقدير الأقرب يعود إلى العهد العثماني، وبما أن العثمانيين حكموا بلادنا لما يزيد عن 400 عام فإن عمر المفتقة قد يوازي تلك المدة تُضاف إليها سنوات التاريخ الحديث.

أخبرتهن أيضاً أن المفتقة كانت تحلاية كل المناسبات، بما فيها الأعياد والمناسبات التي ما زالت قائمة، وتلك التي اندثرت كـ "أربعاء أيوب" في يوم الأربعاء الرابع من شهر نيسان من كل سنة. شرحت لهن أن البيارتة في السنوات التي سبقت ستينيات القرن الماضي كانوا يحملون متاعهم على طنابر ويتوجهون من الزيدانية والبسطا وعائشة بكار وراس بيروت والمزرعة إلى شاطئ الرملة البيضا ومحلة الأوزاعي قبل أن يجتاحها العمران العشوائي، للاحتفال بالمناسبة المرتبطة بالنبي أيوب وصبره على المرض استذكاراً للعبر. والمفتقة كانت في تلك الأيام على رأس المأكولات المعدّة أو المحضّرة مباشرة على الشاطئ بعد أن تقاسم الحاضرون مشقة طبخها ثم نعموا معاً بهناء أكلها.

في المآتم، قالت فريدة، تُطبخ المفتقة وتُوزّع على الفقراء "عن روح" الراحل/ة مع رغيفٍ صغيرٍ من الخبز، فاكتسب الطقس اسم "رغيف الله يرحمو".

إرث شهي    

أصابَ الكبرُ فريدة لكنها ما زالت تُحبّ "المفتقة"، فداء السكري لم يعد يسمح لها بالتهام صحن كامل من هذه الحلوى، لكنها تصرّ على تذوقها ولو بملعقة واحدة، وهي تشرف على طبخات المفتقة في منزلها والجوار. تُعطي تقييماً دقيقاً وتُصوّب الأداء للجمعات العائلية الملتئمة من حول القدر. فأتقن كثر على يدها صناعة المفتقة "عأصولها"، رجال ونساء. علّموا بعد ذلك أبناءهم كيفية صناعتها، بالإكراه أحياناً، لأن مواصلة التحريك لا تعرف تعباً، إما أن تُستكمل الطبخة كما يجب أو أن يذهب التعب سداً.

اختصاراً للوقت تعمد بعض السيدات إلى استعمال طنجرة الضغط عند إعداد المفتقة، وهؤلاء لا تعتدّ فريدة بتعليمهن كيفية تحضير الحلوى. أخريات يشترينها جاهزة من محلات الحلويات ويأكلنها سراً، لأنهن لا يجرؤن على إخبار فريدة بذلك.

ads

 
(5)

النقد

اسلوبك ممتع آمنة 

 

  • 19
  • 50

شكرا شكرا :)

  • 21
  • 24

ما في أطيب من المفتقة.

  • 66
  • 27

المفتقة طيبة، بس قلال يللي بيعرفوا يعملوها عالأصول.

  • 35
  • 54

big like!

  • 21
  • 33

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية