"ستاينواي".. حاضن الشباب العربي في أميركا

الأربعاء، 28 مارس 2018 ( 07:22 ص - بتوقيت UTC )

تتفاوت أسباب الهجرة لدى المهاجرين العرب إلى أميركا، فهذا ترك بلده هرباً من الحرب وويلاتها، وذاك قرر ترك عائلته وهاجر بغية تحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي، وآخر جاء ليحقق أحلامه في مستقبل لامع لم ينجح في تحقيقه في وطنه. تبقى أستوريا وشارع "ستاينواي" Steinway تحديداً خيمة الشباب العربي.

فمن هؤلاء الشباب، من يريدها محطة أولى للانطلاق إلى الحلم الأميركي الأكبر، وتمهيداً للحصول على الهوية الأميركية، أو إيجاد العمل الحلم وكسب الثروات. ومنم من يرى فيها ملجأً متواضعاً يحميهم من ظلم العيش في بلاده، حتى لو كان بطريقة غير شرعية.

في شارع "ستاينواي" في مدينة كوينز وهي ضاحية من ضواحي مدينة نيويورك الاميركية تعيش حيوات العالم العربي، ففيه الكثير من لهجاته وبلدانه، اليمن، لبنان، تونس، المغرب، العراق، ومصر، حتى تخال أنك في واحد من شوارع مدنها، هنا مطاعم ومقاه ومتاجر لبنانية، وليالي الحلمية ومزاج وفيروز وليالي دبي والخيام والنيل وفلسطين، وطنجة.

صوت أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وعبدالحليم وعمرو دياب وشيرين، وجورج وسوف وغيرهم، تصدح في كل زاوية من زوايا الشارع، والتي يتجمع الشباب في حلقات تعلو أصواتهم فيها بكل اللهجات العربية. يعترف الشباب المتحلقين حول جلسة شيشة في أحد المقاهي أن أهمية هذا الشارع بالنسبة لهم تكمن في الألفة والحميمية التي يحظون بها في ولاية ضخمة تخيف القادمين الجدد. ويتعلق الشباب العربي بهذه المنطقة لأنها تحضنهم وتخفف عنهم وطأة الشعور بالغربة وتؤهلهم للتكيف مع المجتمع الأميركي الأوسع.


ويعترفون أيضاً أن قرار الهجرة خطير لكنه خطر لا بد من مواجهته. ويقول أيهم الذي درس الفيزياء "الاقتصاد المعيشي والبطالة والفقر تدفعان الشباب إلى الهجرة دون التفكير بمخاطرها، الأمر ليس سهلاً، لكن الاختناق الذي وصلنا إليه في بلادنا دفعنا إلى المخاطرة وتحمل كافة التبعات".

بعض الشباب المهاجرين ممن يحملون الشهادات يعملون في وظائف آنية وهزيلة في المرحلة الأولى لأن حلم الوظيفة المناسبة لاختصاصهم يتلاشى مع الاصطدام بحواجز كثيرة منها اللغة وصعوبة الاندماج مع الكيانات الأميركية. "المجتمعات المتقدمة لا تسمح بالاندماج بين المهاجر والمواطن الأصلي، وبالتالي العرب هنا لا يندمجوا كمواطنين بل تحت إطار هوياتهم الوطنية الأصلية". يقول سراج من تونس الذي يعمل في بقالة وهو خريج علوم طبيعية "في أستوريا تجد التونسي يعمل عند التونسي، واللبناني عند اللبناني، والمصري عند المصري، وهكذا يحي أحدهم الآخر".

كان سامي محامياً في مدينة بنها المصرية، وكان حلمه عند وصوله إلى أميركا هو إكمال مسيرته المهنية التي بدأها في مصر، لكن الظروف حالت دون ذلك، فلم يكن سامي مقيماً بطريقة قانونية، إذ جاء إلى أميركا في العام 2011 بتأشيرة سياحة، واضطر للعمل في عدة أعمال صغيرة في المطاعم أو بيع السندويشات في الطريق، إلى أن تزوج بفتاة أميركية سهلت له الحصول على إقامة قانونية، وانتهى به الأمر بالعمل مع أحد أقاربه في عربة بيع "سندويشات" (هوت دوغ).

يقول سامي: إن حلمه بأن يصبح محامياً في أميركا تبخر لأسباب عدة أهمها، صعوبة مواصلة الدراسة لمعادلة الشهادة، وصعوبة اللغة. فقد درس القانون باللغة العربية في مصر، بينما عليه أن يدرسه باللغة الإنكليزية في أميركا، بالإضافة إلى كلفة الدراسة المرتفعة بين 20 إلى 80 ألف دولار سنوياً، في جامعة مثل كولومبيا أو هارفارد.

سمير شاب تونسي، حاصل على شهادة دكتوراه من كلية طب الأسنان، جاء إلى أميركا العام 2013 حاملاً معه حلم فتح عيادة خاصة، غير أن تكاليف الدراسة العالية في الجامعات الأميركية حالت دون ذلك، إضافة الى مشكلة اللّغة، إذ أنه درس بالفرنسية بالإضافة إلى صعوبة معادلة الشهادة، هذه الظروف اضطرته إلى عمل في إحدى محال البقالة/ ليتقاضى 700 دولار أسبوعياً تمكنه من العيش إلاّ أنه يتحسر على صعوبة العمل في مجال تخصصه.

الحلم الأميركي ما زال واقعاً

خلُص تقرير حديث إلى أن المهاجرين إلى الولايات المتحدة ما زالوا يعتبرونها أرض الفرص السانحة لأنفسهم ولأبنائهم، هذا التقرير الذي صدر بعنوان "قدرة المهاجرين على تحريك الاقتصاد في الولايات المتحدة"، وأشرف على إعداده رون هاسكينز، ذكر فيه أن أميركا توفر فرص عمل كثيرة للجيل الأول من المهاجرين، وفرص أفضل منها لأبنائهم. وما يزال مفهوم الحلم الأميركي، الذي يعني تحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم الاجتماعي والمساواة في الفرص قائماً، على رغم الأزمة الاقتصادية التي عصفت بأميركا في 2008.


وشهدت العقود القليلة الماضية تزايداً كبيراً في حركة الهجرة إلى الولايات المتحدة، فقد قُدر معدّل المهاجرين في الستينات من القرن الماضي بـ320 ألفا سنوياً، ليبلغ مليون مهاجر سنوياً في الأعوام الأخيرة، حسب دائرة الهجرة التابعة لوزارة الأمن القومي. ويختلف مفهوم الحلم الأميركي باختلاف الأشخاص، فالبعض يرى أن وجوده في أميركا في حد ذاته إنجاز عجز العديد من أبناء بلده عن تحقيقه، فيما يطمح البعض الآخر إلى أن يدعم وجوده مهنياً واجتماعياً داخل مجتمع معقد، متعدد الأعراق واللغات والأديان.

عرض لفرق التنورة في آستوريا

أميركا أو "أرض الاحلام" كما تصفها الأفلام السينمائية العربية، الدولة التي ما يزال ملايين الشباب بالعالم يحلمون بالهجرة والاستقرار فيها، على رغم العوائق التي استجدت وبشكل خاص بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر 2001)، التي أصبحت علامة بارزة في التاريخ العالمي.

وتستقبل أميركا في كل عام حوالى مليون مهاجر جديد، يأتون حاملين آمال العيش في بلد الحرية والرفاهية والفرص والمساواة، البعض منهم ينجح في تحقيق هدفه، والبعض الآخر يفشل في التأقلم مع يوميات العيش الأميركي. وبعضهم يظل يعمل في وظائف متواضعة لأنه لم يحصل على أوراق رسمية تسمح له بالعمل في وظائف كبرى وعلى رغم مرارة العيش بطريقة غير قانونية وصعوبتها، إلا أنه يبقى أفضل من الواقع المظلم في بلدانهم.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية