سوق صيدا القديم.. متعة الوقوع في فخ المتاهة

الأربعاء، 28 فبراير 2018 ( 07:03 م - بتوقيت UTC )

لم تُوالِ صيدا الحداثةَ تماماً وما وَلّت عنها، بل أَولَتها اهتماماً يُساوي مدى حاجتها إليها، لا أكثر ولا أقل. فالمدينة التي تُحافظ على مساحاتها الخضراء لتُلاقي نسيم البحر بآخر محمل بعبق زهر الليمون، وينطلق فيها العمران دون أن يتخطى حدوده الجمالية أفقياً وعمودياً، وتُحافظ على بيئة اجتماعية لم تتباعد فيها البيوت أو تشهد تفرق العائلات والأُسر، عبر التمسك الجماعي بعادات المدينة والقرية، وأساليب الحياة بها، تفخر بتاريخها وتقتدي به في حاضرها لتحافظ عليه في المستقبل.

من يزور صيدا من غير أهلها يعرف بالحدس أوّلاً ثم بخط السير ثانياً، أن نقطة الوصول أو المرور لا بد أن تكون السوق القديم لعاصمة الجنوب. فهو مساحةٌ للتلاقي بين أحياء المدينة القريبة والبعيدة، وهمزة وصل بين الكورنيش البحري والداخل الصيداوي، حيث المؤسسات التجارية والمباني الحكومية وبينها الأبنية السكنية.

شوارع كثيرة تفضي إلى السوق القديم. أحدها ينطلق من ساحة النجمة التي تُعتبر وسط المدينة، هبوطاً نحو الشارع ذي الأبنية القديمة، التي تتخذ المتاجر من واجهاتها منصات لعرض البضائع المتنوعة. الثياب العصرية بصورة خاصة. وصولاً إلى زاوية للعطارة يبرز من أمامها السوق القديم مستطيلاً ضيّقاً تتوازى فيه المتاجر وتظهر من بينها الدهاليز.

أما دخول السوق القديم مباشرة، فيقتضي سلوك الخط الصاعد من جانب البحر لجهة سوق النجارين بجانب خان الإفرنج أو لجهة مطعم فلافل أبو رامي الشهير مقابل الكورنيش. والدخول من جانب هذا المطعم يقود عبر طريق إلى متاجر اللحامين، التي تتجاور مع باعة الخضار والدجاج والألبسة والعطور والصاغة والمعدات الزراعية وأدوات الزينة النسائية. في حين يتخلّل هذا المسار الطويل بين متجر وآخر مطعم للفول هنا، وآخر يُقدّم السندويشات بمختلف أنواعها هناك.

قناطر ودهاليز

ما يُميز هذا السوق عن سواه إلى جانب بعض محتوياته المميزة في شكلها وثمنها هو المكان بحد ذاته. المدينة القديمة التي لا تلبث أن تظهر حتى تحتجب، لكنها مع ذلك تظل واضحةً في الأثير وإن لم تطلها العيون. فمن بين المتاجر قليلة الاتساع والارتفاع، تظهر الدهاليز التي تزداد ضيقاً مع انتشار الباعة والزبائن.

الدهليز الأول قليل العرض، وتتداخل فيه البضائع بغياب حدود التجاور. فـ"الكندرجي" يفترش مساحة ضيقة يصلح فيها الأحذية ويُعلّق من فوقه أخفافاً صنعها بيده. بجواره ملابس زهيدة الثمن بعضها معلّق، وبعضها تم وضعه في متناول الزبائن للتفحّص عن قرب. وفي مكان قريب ليمون تم قطفه حديثاً يُباع بأسعار تنافسية لأناس يملؤون الأكياس ثم يدفعون بها إلى الميزان.

حقائب نسائية.. أدوات منزلية.. تذكارات.. قماش.. سمانة.. أحذية مجدداً.. ثم متجر متواضع للملابس.. والكل ينادي على معروضاته ويستوقف المارة بعبارات الترحيب والتشجيع، فتمتزج الأصوات ثم تختفي في صف المتاجر الذي يطول قبل أن يُفضي إلى الأحياء الداخلية.

الدهليز الثاني في الشارع الرئيسي للسوق، يظهر يميناً في خطوات متقدمة صعوداً. وهو يبدو أكثر اتساعاً وأقل صخباً مع انكفاء الباعة على المناداة وملازمتهم متاجر واسعة ومرتّبة، تشكل بداية البازركان، أي سوق التجار بالفارسية.

المدينة ـ المتحف

في سوق البازركان تحديداً، تظهر صيدا القديمة، لا سيما وأن المتاجر المرممة استعادت بريق حجارتها الصخرية وأبوابها الخشبية ذات اللون البني. في هذا المكان تتخذ المعروضات منحى تراثياً يتصاعد حتى يبلغ ذروته في المقلب الآخر، حيث سوق النجارين وفيه صناعة الكراسي والمفروشات، فضلاً عن القباقيب والأدوات المنزلية المصنوعة يدوياً.

لكن قبل الوصول إلى الجانب الآخر، تظهر عمارات صيدا التاريخية وهي أبنية حجرية شبابيكها مرتفعة وسلالمها خارجية لا تقود إلى الطبقات العليا فحسب، بل إلى النور الذي يهبط من سماء بعيدة ثم يتبدد في الأرجاء.

في هذا المكان بيوت قديمة وقصور عريقة تحوّل بعضها إلى متاحف كقصر دبانة وخان الصابون. على بعد أمتارٍ قليلة تظهر مساكن على قدر من القدم لكنها متواضعة، وتنتظر دورها في الترميم.

زائر المدينة من غير أهلها، المقيمين أو غير المقيمين، والذي قاده حدسه وسيره إلى السوق القديم غالباً ما يُقرن تذوّق متعة الاكتشاف بالسؤال لتصويب مساره، فيفقد متعة الوقوع في فخ متاهتها.

 
(3)

النقد

الله، الله، صيدا الجميلة.

  • 31
  • 60

صيدا.. حلوة!!

  • 44
  • 39

حلو كتير.

  • 26
  • 41

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية