الجدران توثق حياة غزة العامرة بالتناقضات

السبت، 17 فبراير 2018 ( 08:09 م - بتوقيت UTC )

على صفحات الجدران يدونون حياتهم وتاريخهم، لتبقى هذه الكلمات أكثر من مجرد حروف مُجَمَعَة، فهنا يكمن الواقع، ورغم أن الجدران تعتبر واحة "للمضطربين عقلياً" للتعبير عن أنفسهم، إلا أن الأمر في قطاع غزة مختلف تماماً، فقد دون الفلسطينيون على الجدران كل شيء، إذ لم تتسع دفاتر التاريخ لتوثيق مِداد حياتهم الصاخبة المليئة بالتناقضات.

سِمات بسيطة يجتمع الفلسطينيون تحت سقفها، الشتات، واللجوء، وتعقيدات السياسة، لكنهم رغم ذلك لا يسقطون تحت مطرقة اليأس، لأنهم دائماً ما يبحثون عن منافذ جديدة تساعدهم على الاقتراب بحياتهم من الحد الطبيعي الذي تسمح به الظروف.

فالكتابة على الجدران وسيلة انتشرت تزامناً مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، حتى باتت عملاً وطنياً يُدَوِن تراكم الإرث النضالي لسنوات من الكفاح، وجزءاً من الإعلام الجماهيري، ليصبح وجه الحقيقة واضحاً جلياً في شوارع القطاع.

يقول طلال الحلبي، محاضر في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية "إن الكتابة على الجدران ظهرت لأسباب عدة، منها ما هو نفسي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو كيدي أيضاً، مثل محاولة لفت الأنظار وإثبات وجود بعض التيارات الموجودة داخل القطاع".

ويضيف الحلبي "أن الكتابة والرسم على الجدران واحدة من الأساليب المتعلقة بحرية التعبير، كما أن تكلفتها قليلة بحكم الأوضاع التي يعيشها سكان القطاع، حيث لا يكاد يخلو جدار في غزة من رسومات وشعارات تهدف إلى إيصال رسائل إعلامية تتنوع بحسب رغبات من يَخُطُها".

كما جعل الفلسطينيون من الجدران لوحات لتدوين مناسباتهم الرسمية وغير الرسمية كالأفراح والأحزان وتهنئة الحَجِيج والترحيب بالمغتربين العائدين إلى أرض الوطن، بالإضافة إلى الرسومات التي تعبر عن مختلف القضايا. ورغم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، إلا أن هذه الطريقة ما زالت تحظى بتأييد الكثيرين، فلا تُعرف مناسبات العائلات إلا من شوارع القطاع وجدرانه.

يقول محمود عيد، خطاط من شمال قطاع غزة "نحن نجد الجدار كوسيلة فنية شعبية نرسم عليها دون حساب لأحد.. ونستهدف من خلالها كافة الفئات التي نريد استهدافها".

ورغم أن استخدام الجدران للكتابة كان محصوراً على الفصائل الفلسطينية ونعي الشهداء والتهنئة بالأفراح، وفق ما يؤكده عيد إلا أنه الآن وفي ظل المساحة التي وفرها الإنترنت والصحافة لتلك الفصائل، فُتح المجال أمام الفنانين الشعبيين بشكل أوسع للتعبير عن رؤيتهم من خلال الرسومات التي تنتشر في غالبية شوارع القطاع.

ويضيف عيد "اللوحة التشكيلية بتعطيني كفنان تعبير بالزخم والضوضاء والوضع القاسي اللي بيعيشه المجتمع في غزة.. لأنك لازم تحط (تضع) المشاهد في نفس الإحساس اللي إنت كرسام أولاً وكمواطن فلسطيني ثانياً، بتعيشه".

وانعكست تعقيدات مدينة غزة وتشابكاتها وتناقضاتها أيضاً على رؤية الفنانين الفلسطينيين، فغزة ليست مدينة ككل المدن، حيث إن جغرافيتها النفسية منغلقة على نفسها، وهنا يكمن التجسيد الحي للإنسان الذي يرزح تحت قسوة القمع.

وبرغم وجود آراء معارضة لهذه الظاهرة، إلا أن هناك ما يشبه الإجماع في الشارع الفلسطيني أن الكتابة والرسومات الجدارية ستبقى تغطي الجدران في غزة باعتبارها مرتبطة بثقافة المجتمع.

يقول خليل المزين، فنان فلسطيني "إن غزة تمثل حالة غير عادية، وهي تختلف عن كل المدن التي بنعرفها، يعني من شدة التعقيدات اللي فيها أصبحت بحد ذاتها حالة مميزة".

ويضيف المزين "جو القطاع ممكن تشوف فيه كل الأشياء السلبية وكمان ممكن تشوف الأمور من منظور مختلف.. هادي (هذه) المدينة اللي صرلها سنوات كتير تحت القصف والضغط والقمع بعدها صامدة وبتحب وبتغني والناس فيها بتتزوج وبتروح البحر كمان.. كل هذه أشياء تستحق الاحترام والتقدير وأكيد كل هالظروف رح يطلع منها حاجة مبهرة".

على جدران جامعة الأزهر وسط مدينة غزة، تقبع رسومات تختزل ذاكرة النضال الفلسطيني؛ حيث قام عدد من الفنانين برسم صورٍ لقادة العمل الوطني الفلسطيني، على رأسهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، لتبقى هذه طريقة راسخة توثق القضية بالفرشاة والألوان، ومن خلال الكتابة أيضاً ستذكر الأجيال القادمة أنه كان في هذا المكان فرح في يوم من الأيام.

 
(1)

النقد

يسلموا ايديك ... صاحب الحق ما بيسكت صوته حتى لو مجرد نقش ع الجدران ورغم انه نقش ع الجدران لكن بينتبهله الاحتلال وبيعمله حساب .

  • 46
  • 29

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية