المرأة اللبنانية تتحدى ذكورية السياسة بالترشح للبرلمان

الثلاثاء، 13 فبراير 2018 ( 01:57 م - بتوقيت UTC )

في لبنان الذي يتغنى بتوافر حد "معقول" من معايير الحرية والديموقراطية، تم انتخاب 15 امرأة فقط منذ عام 1953 حتى اليوم، في حين أن النساء يشكلن 53 في المئة من المجتمع اللبناني، وقبل نحو ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات النيابية تشهد المنابر، والمنتديات، والتجمعات حراكاً نسائياً غير مسبوق، يهدف لزيادة عدد المرشحات إلى الانتخابات، لتمثيل المرأة بشكل أكبر في المجلس النيابي، الذي ظل خجولاً منذ نيلها حق الترشح والتصويت.

وأقرّ الدستور اللبناني المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات منذ العام 1926، وفُعّلت هذه المساواة عند إلغاء التمييز ضد المرأة في الحقوق المدنية والسياسية؛ وذلك بإقرار قانون الانتخاب بحقوق المرأة السياسية أي بالمشاركة انتخاباً وترشحياً عام 1953، لكن التغيير الذي طال النص القانوني لم يبدّل في واقع المرأة اللبنانية، التي بقيت تواجه معوقات كبيرة بالدخول إلى معترك السياسة في دولة تدير فيها السلالات السياسية الحاكمة بالوراثة، والمحاصصات الطائفية، والهيمنة الذكورية مقاليد الحكم.

وتُعد ميرنا البستاني، أول امرأة نجحت باختراق جدار الذكورية السياسية وأسوار مجلس النواب اللبناني، في عهد رئيس الجمهورية الراحل فؤاد شهاب في العام 1963، ومنذ ذلك التاريخ، بقيت المرأة خارج البرلمان حتى انتخابات عام 1992، ليستمر بعد ذلك حضورها خجولاً جداً في كل البرلمانات، والحكومات المتعاقبة.

وحتى اليوم بقيت المرأة اللبنانية على هامش القانون الانتخابي، الذي أُقر في حزيران (يونيو) عام 2017 ما دفع آنذاك رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري للإعتذار عن فشل الحكومة في إقرار الكوتا النسائية في القانون  الجديد. وبرر وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسابيان ذلك "بالتعقيدات التي حصلت في نقاط عدة".

الترشح مقابل الكوتا
التغاضي عن الكوتا النسائية شكّل خيبة أمل لكل طموحات التحديث، لكن الخيبة لم ولن تُثنِ النساء عن أهدافهن، فعملت المنظمات النسائية على سيناريو تحرك جديد، يجعل من الانتخابات النيابية المقبلة فرصة للمرأة اللبنانية للمشاركة، اقتراعاً وترشيحاً، من أجل المساهمة في تغيير مأمول، وتحول مطلوب لحفظ الدولة، والإنتظام العام.

إذ ترد النساء اللبنانيات على تجاهل الحكومة إقرار "الكوتا" النسائية في القانون الانتخابي الجديد، بالترشح إلى الانتخابات. وتعترض المرأة على إقصائها قانونياً بالمواجهة ترشيحاً، حتى بلغ عدد المرشحات إلى اليوم نحو 100 إمرأة للمنافسة على 128 مقعداً نيابياً، وبحسب خبراء فإن القانون النسبي الذي أُقر يرفع حظوظ السيدات للوصول إلى الندوة البرلمانية بعيداً عن لوائح الأحزاب المسيطرة على المشهد الإنتخابي.

نصف المجتمع.. نصف البرلمان

وزارة شؤون المرأة، بدورها، أطلقت أخيراً "خريطة طريق لتعزيز المشاركة الفعالة والمجدية للمرأة في الانتخابات"، تتطلع من خلالها إلى مجلس نيابي يضم ثلث أعضائه من النساء "لنتمكن من تحقيق التغيير المنشود". يقول وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسبيان في إحدى ورش العمل التي تقوم بتعبئة النساء، وتحثهم على المشاركة في الانتخابات ترشحياً وتصويتاً: "نحن نقوم حالياً بحملة كبيرة لدفع المرأة وتمكينها من المشاركة في الانتخابات، ولهذه الغاية أطلقنا حملة إعلانية تحت شعار "نصف المجتمع.. نصف البرلمان"، كما سنقوم بدورات تدريبية للمرشحات، سواء عن الأحزاب أو عن المجتمع المدني".

وترتكز خطة وزارة الدولة لشؤون المرأة، التي تدعمها وتشارك فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، على إعداد ورقة بحثية حول تجارب إقليمية وعالمية في تطبيق إجراءات وتدابير مؤقتة؛ تهدف إلى دعم وصول المرأة إلى مراكز القرار، إضافة إلى إعداد وتدريب كوادر نسائية في الأحزاب السياسية في مجال إدارة الحملات الانتخابية، و عقد لقاءات مع المجتمع المدني والإعلام، للمساندة في دعم ترشح النساء ووصولهن إلى مراكز صنع القرار، وتنظيم حملة إعلامية توعوية للتعريف، والحشد والضغط بأهمية مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

السيدات اللبنانيات نجحن بقوة في الإعلام، والقطاع المصرفي، وهنّ مناضلات حقيقيات وراء نجاح الأحزاب والنقابات المهنية، إلا أنهن غائبات عن الساحة السياسية. فقد تم انتخاب 15 امرأة منذ العام 1953 حتى اليوم في حين أن النساء يشكلن 53 في المئة من المجتمع اللبناني؛ كما أن لبنان يحتل المرتبة 185 من بين 191 دولة في ما يتعلق بمرتبة تمثيل النساء.

وفي هذا المجال يشدد أوغاسبيان على أن "تغييب المرأة عن المؤسسات والمجلس النيابي خسارة كبيرة للوطن، بخاصة وأننا على صعيد البرلمان؛ بحاجة إلى أفكار جديدة وخلاّقة، ومقاربات مختلفة للمسائل كافة، للنهوض بالوطن".

وبحسب جمعية "نساء رائدات"، فإن "نحو  100 إمرأة أعلنت نيتها الترشح إلى الانتخابات في أيار (مايو) المقبل، بينهن 20 في المئة فقط منتميات لأحزاب سياسية، أو متحالفات مع أحزاب، أما النسبة الأكبر فمن المرشحات المستقلات".

ثغرات السياسة

رغم ارتفاع نسبة التعليم وسيطرة النساء على المهن، لم تقم الأحزاب المسيطرة على الكتل النيابية بترشيح سيدات. وتعتبر رئيسة هيئة تفعيل دور المرأة في القرار الوطني، والمرشحة عن الانتخابات النيابية الأميرة حياة إرسلان، أن مشاركة المرأة في القرار السياسي وفي السياسات العامة ضرورة.

وتضيف في حوارات خلال جولاتها الانتخابية "إن الحياة السياسية في لبنان هي ثغرة من جملة الثغرات الكثيرة، والثغرة هي عدم مشاركة المرأة بشكل كاف، من أصل 128 نائب لدينا 4 نساء فقط في المجلس النيابي، من أصل 30 وزير لدينا وزيرة فقط، ولا يكتمل بناء الوطن إلا إذا كان هناك جهود مشتركة بين المرأة والرجل، لذلك من باب أولى أن يستفيد الوطن من طاقة المرأة الإيجابية".

زمن المرأة

ووفقاً لقاعدة ضرورة تواجد المرأة مثل الرجل في صناعة القرار السياسي والإداري في لبنان؛ تترشح الإعلامية بولا يعقوبيان لنيل مقعد في البرلمان، وتقول يعقوبيان "ليس من سبب وجيه ألا تصل المرأة اللبنانية إلى سدة البرلمان اللبناني"، معتبرة أن " الكوتا تصحيح لخطأ تاريخي، بما أنه لا مجال أن تصل المرأة إلى البرلمان إلا من خلال حفظ حصة معينة لها عبر الكوتا، وذلك خلال مرحلة معينة كي يعتاد الجميع في لبنان أن ينتخبوا المرأة بطريقة متساوية مع الرجل". 

ورأت يعقوبيان أنه من واجب النساء اللواتي لديهن القدرة، أن يشكلن رافعة للمرأة اللبنانية، أن يترشحن في الانتخابات النيابية المقبلة، وهن يعطين قوة الدفع للمراة اللبنانية في أن تعمل على إيصال صوتها سياسياً أكثر معتبرةً أن "الزمن الحاضر هو زمن المرأة بامتياز".  

وفي التمثيل السياسي، لا يمكن تجاهل تمثيل النساء اللواتي يشكلن أكثر من نصف المجتمع، ما يُعتبر شرطاً مسبقاً للديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فعندما لا تُسمع أصوات النساء  بالتالي لن يتمكنّ من التأثير على السياسة التي تؤثر على حياتهن، وقد ثبُت أن اعتماد الكوتا أزال العقبات في الكثير من البلدان أمام ترشيح النساء، وهذا الترشيح يزيد من مشروعية الأحزاب، ويحسن من صورتها، ويعزز استراتيجية الحملات الانتخابية، ويوسع رقعة الأجندات السياسية.

حق المُواطَنًة والمشاركة

الإعلامية كارولين بزي، المرشحة أيضاً للانتخابات قالت "إنني كمواطنة لبنانية من حقي الترشح للانتخابات النيابية، يوجد 4 نساء في البرلمان اللبناني، وكان باستطاعتهن أن يثبتن أن المرأة قادرة فعلاً على أن تمثل الشعب لا المرأة فقط؛ ولكنهن لم يقمن بواجبهن على غرار أغلب النواب، والدافع الأهم بالنسبة ليّ هو أننا نعيش في حالة يأس، ولم نعد نحلم بالمستقبل وبات طموحنا محدود كشباب، جُلّ اهتماماته إيجاد فرصة عمل لتأمين لقمة العيش، أكثر من تحقيق طموح والتطور بمجال العمل".

وجود  المرأة في المؤسسات الدستورية وبحسب الأبحاث بقي خجولاً إذاً، فمنذ عام 1953 حتى اليوم تم انتخاب 15 امرأة ، في حين أن النساء يشكلن 53 في المئة من المجتمع اللبناني، كما أن لبنان يحتل المرتبة 185 من بين 191 دولة فيما يتعلق بمرتبة تمثيل النساء. وقد وصل معظم النواب من النساء إلى البرلمان نتيجة صلة قرابة تجمعهن بمسؤول سياسي أو حزبي كبير، أو برجل ذي نفوذ، إذ تتمثل المرأة اللبنانية حالياً بـ4 مقاعد نيابية فقط من أصل 128، تشغلهن كل من: بهية الحريري شقيقة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وستريدا جعجع زوجة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ونايلة التويني ابنة السياسي والصحافي الراحل جبران تويني، وجيلبيرت زوين ابنة النائب والوزير الراحل موريس زوين.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية