تحقيق الكمال..سراب وهوس

الجمعة، 9 فبراير 2018 ( 12:46 ص - بتوقيت UTC )

"لا شيء يعجبني" يقول الشاعر محمود درويش، ويردد وراءه بعض الأفراد الذين ينظرون بغير عين الرضا إلى أنفسهم وإلى الآخرين. يسعى الإنسان بشكل عام إلى تحقيق الكمال على المستوى البيولوجي، الجمال الخارجي والطلة، كما على المستوى الشخصي لنيل أعلى المراتب حياتياً ووظيفياً وأكاديمياً واجتماعياً. ذلك خطأ للأسف فبلوغ الكمال والإتقان في انجازاتنا وأعمالنا وسلوكنا من المعجزات التي لن تحدث!.

فالكمال ليس موجوداً، إذ يقول الرسام الاسباني المشهور سلفادور دالي: "لا تخف أبداً من الكمال، فلن تصل له أبداً". وهكذا فإن السعي الحثيث نحو تصنيف الإنسان كاملاً لا يقود إلا الى الإحباط والتوتر والقلق المزمن وأحياناً إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء وإلى تدمير الصحة النفسية للانسان.

"الرغبة المرضية" كما يراها العلم، لها تأثيرات نفسية واجتماعية مضرة، كما يقول عالم النفس الاجتماعي توماس كوران. وهو قام بدراسة هذه السمة الشخصية لسنوات عدة. وحذّر كوران من ازدياد ثقافة نشر سعي الأفراد لصفة الكمال خلال العقود الماضية، وذلك لجملة أسباب منها ضغوط الأهل على أبنائهم وفرض معايير غير واقعية عليهم للنجاح وكسب الرضا، وتغيرات سوسيولولجية وأيديولوجية على مستوى المجتمع.

ووجد كوران في بحثه، الذي نشر في مجلة Psychological Bulletin الشهرية، أن السعي إلى الكمال يؤدي إلى نتائج سلبية على الصحة العقلية، وشرح قائلاً: "الكمال هو مزيجٌ من معايير شخصية عالية لا تشوبها الأخطاء بشكل مفرط، وسلسلة تقييمات شديدة للذات".

وقامت الدراسة، المبنية على معلومات شملت أكثر من 40 ألف طالبة وطالبة أميركيين وبريطانيين وكنديين، إلى قياس ثلاثة أنواع من الكمال هي:

-الموجه للذات: "ويقوم خلاله المرء بفرض توقعات غير منطقية على نفسه"، وفقاً لما قاله كوران.

-المحدد من قبل المجتمع: ووصف كوران هذا النوع بأنه بمثابة نقد "موّجه من الآخرين، إذ يعتقد الفرد أن الآخرين يحكمون عليه بقسوة، وأنه يجب عليه إظهار صفة الكمال بهدف أن يتقبله المجتمع."

-الموجه للآخرين: ويفرض الراغبون في صفة الكمال من هذا النوع، معاييرهم تجاه الغير، وذلك عبر توجيه النقد لمن حولهم بشكل قاس وعدم إعجابهم بشيء مما يقوم به الآخرون.

في العقود الثلاثة الأخيرة ومع تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي إلى حياة الناس، وزيادة أعداد المشاهير بات الناس مولعين برسم الصورة الكاملة لشخصياتهم. ووجدت الدراسة ارتفاع الأنواع الثلاثة من صفة الكمال لدى البشر بشكل بارز بين العامين 1989 إلى 2016، مع كون النوع الـ"محدد من قبل المجتمع" من الأكثر ارتفاعاً بنسبة 33 في المئة.

ويؤكد كوران في بحثه على الدور الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي، مثل "فايسبوك" و"انستغرام" و"سناب شات،" في زيادة السعي للمثالية، إذ يقول: "يعود الفضل إلى الشعبية التي تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي في تمكين المستخدمين من بناء صورة مثالية أمام الآخرين". وهذا غير حقيقي ومتعب بل شاق على النفس البشرية لأنه يضعهم في حال الخيبة والحزن إذا ما فشلوا في إكمال هذه الصورة.

وربط البحث بين الاستخدام الزائد لوسائل التواصل الاجتماعي وزيادة الشعور بالقلق والاكتئاب، وحتّى ظهور الأفكار الانتحارية. ونصح كوران بعدم الخوف من الفشل، وفي حالة حصوله، عدم التعاطي معه كأمر كارثي.

هناك فرق بين الاتقان، وبين الهوس بالكمال، فالأول منطقي وقابل للتحقيق، والثاني مرض وهوس سيذهب بجهود صاحبه في النهاية، وفي الحقيقة أنه قد يصل بصاحبه في النهاية إلى الإصابة بالوسواس القهري،

ويقول جول فرانسوا، وهو أستاذ في السيكولوجيا الإيجابية، في كتابه "تعلّم أن لا تكون كاملاً": "يمكن التخلي عن السعي إلى الكمال، وعلى الفرد تقبُّل ما تقدمه له الحياة، والاستفادة من الجانب الإيجابي من ذلك".

إذا كنت في الساعين إلى الكمال، فإن من أكبر الأخطار التي تحدق بك، أنك تضع دائماً أهدافاً غير واقعية لا يمكن تحقيقها، وهذا التصرف يجعلك تعيساً دائماً، كما يقول جول فرانسوا، صاحب الكتاب.

الرغبة في تحسين الوضع هي جزء من الطبيعة الإنسانية، وهي صفة مفيدة وبَنّاءَة في أغلب الأحيان، لكن إذا كانت الرغبة أقوى من اللازم وتجاوزت الحدود، فإنّها تضرك أكثر مما تفيدك. "الطريقة التي نترجم بها على أرض الواقع، رغبتنا في أن نكون أفضل بشكل كامل، يمكن أن تجعل الإنسان أعمَى"، كما يقول جول فرانسوا، وإضافة إلى إظهار نفسك على أنك بلا عيوب، فالأمر هنا يتعلق بالسعي إلى تقديم أفضل ما لديك والقبول بالنتيجة.

إحرص على عدم الخلط بين التميّز والكمال، فيمكن للمرء أن يكون متميزاً وناجحاً لكن ليس كاملاً ، أما الكمال فالله وحده الكامل.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية