سورية.. شبح "التجهيل" يطارد منارة العلم والثقافة

الخميس، 8 فبراير 2018 ( 12:10 ص - بتوقيت UTC )

سوريّة، هذا  البلد الذي بمجرد سماع اسمه تتداعى إلى الأذهان صور الدمار والقتل والتخريب التي باتت تطغى على كل شيء، حتى طالت تاريخ طويل وإرث ثقافي وحضاري ضخم.

سورية التي تركت عبر آلاف السنين حضارات غنيّة بالمنجزات وإرث ثقافي وفكري حافل لا يزال يتداول حتى اللحظة ويرجع إليه المفكرون والمثقفون، هي منارة العلم والثقافة والأدب التي غيّبتها الحرب والصراع السياسي القائم منذ آذار (مارس) 2011، وكان من بين تداعياتها وقوف جيل كامل مُهدد بالتجهيل.

بحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، فإن جيلاً كاملاً في سورية مُهدد بالتجهيل فعلاً، ذلك على خلفية العقبات التي تواجه العملية التعليمية سواء داخل سورية أو بالنسبة للاجئين خارجها في ظل ظروف الحرب التي لم تترك قطاعاً إلا وتركت آثارها المُدمرة عليه.

بمعطيات التاريخ، فإن جيلاً كهذا لربما كان مكانه الطبيعي في مصاف الصفوة الفكرية الحضارية، لكن بمعطيات الأمر الواقع وتداعياته فإن مجرد الحصول على فرصة تعليم مناسبة ومؤمنة صارت حلماً يصعب تحقيقه أمام شريحة كبيرة من السوريين.

أرقام مرعبة

الأرقام الرسمية الصادرة عن منظمات تابعة للأمم المتحدة تكشف عن حجم الكارثة التي تواجه الأطفال والطلاب في سورية على وقع واحدة من أخطر الأزمات في الشرق الأوسط، من بين تلك الإحصاءات ما أعلنت عنه منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" عن أن 40 في المئة من أطفال سورية خارج العملية التعليمية.

كما أن  1,75 مليون طفل سوري حرموا من استكمال التعليم، إضافة إلى 100 ألف طالب جامعي لم يتمكنوا من استكمال تعليمهم بسبب الأوضاع والظروف التي تشهدها سورية.

وفيما يتعلق بالوضع داخل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، أعلنت ما تسمى بـ "حكومة المعارضة" عن إحصائية رصدت فيها مقتل 17 ألف طالب جراء الصراع الدائر في سورية، مشيرة إلى صعوبات ضخمة تواجه العملية التعليمية في تلك المناطق بوجه خاص.

صعوبات

من بين أبرز الصعوبات نقص الكادر المهني، فضلاً عن عدم وجود مرتبات ثابتة، ما دفع نصف المدرسين للعمل كمتطوعين، ذلك فضلاً عن حالة الوضع الأمني وكذلك عمليات النزوح والهجرة وعدم توافر الوسائل التعليمية المختلفة. ذلك حسب وزير التعليم في الحكومة المؤقتة الدكتور عماد برق.

وبحسب برق، فإن نصف الأطفال في سورية خارج العملية التعليمية بسبب ظروف الحرب، وهو مؤشر خطير يعكس مدى خطورة الأزمة التي يعاني منها السوريون فيما يتعلق بقطاع التعليم.

وبحسب إحصائية أصدرتها "يونيسيف" خلال العام 2014، فإن نحو خمسة ملايين طفل سوري تضرروا جراء الأزمة، 40 في المئة منهم ليسوا على مقاعد الدراسة، إضافة إلى مليون طفل مهدد بالتسرب من التعليم.

والحال في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري وإن كان أفضل من الحال خارجها، إلا أن الكثير من العقبات لازالت تعترضه. وأطلقت الحكومة السورية مؤخراً بالتعاون مع "يونيسيف" حملة تحت عنوان: "راجعلك مدرستي" لإعادة التلاميذ إلى العملية التعليمية.

أمل

وتمثل المبادرات التطوعية وتحركات الجهات الداعمة للعملية التعليمية في سورية، سواء في الداخل أو تلك التي تستهدف السوريين في الخارج، بادرة أمل لمواجهة شبح "التجهيل" الذي يلف مصير التلاميذ والطلاب السوريين، إذ تعمل تلك الجهات على تأمين العملية التعليمية بشكل كبير.

ويُلاحظ أن قطاع التعليم ربما يأتي في مرتبة أقل من قطاعات أخرى مثل التسليح وشراء الأسلحة في بعض المناطق، ففي اعتقاد الخبير التربوي السوري مصطفى بطران، فإن الكثير من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة يغيب فيها الاهتمام بالتعليم ولا تتوافر مناهج دراسية في أحيان كثيرة، كما يغيب التمويل والدعم، وتذهب الكثير من التبرعات لشراء الأسلحة والغذاء، وفق تصريحاته.

بينما يظل ملف "ضعف التمويل" بشكل خاص في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من أبرز العقبات التي تواجه إتمام العملية التعليمية في تلك المناطق حسبما أكد وزير التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقت الدكتور عبد العزيز الدغيم في تصريحات لأحد المواقع المحلية مؤخراً، أضاف خلالها صعوبات أخرى من بينها عدم توافر البيئة الآمنة للعملية التعليمية.

الكلفة الاقتصادية

وحول الكلفة الاقتصادية لانهيار القطاع التعليمي في سورية، يعتقد الخبير الاقتصادي السوري عادل الأحمد، أن تلك الكلفة تصل إلى 6.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي السوري.

ويواجه اللاجئون السوريون عقبات متباينة في مسألة تلقي التعليم المناسب. سواء بسبب الإجراءات والقوانين الداخلية المعمول بها في بعض دول اللجوء، أو بسبب عدم توافر المدارس المناسبة أو انطلاقاً من غياب القدرة المالية التي تدفع الكثير من اللاجئين إلى تشغيل الأبناء للمساهمة في مصروفات المنزل بدلاً من التعليم.

وفي ظل ذلك الواقع الصعب يحبس السوريون أنفاسهم انتظاراً لحسم سياسي للأزمة المشتعلة منذ آذار (مارس) 2011، عل ذلك الحسم ينعكس سريعاً على الأوضاع الداخلية الاجتماعية والسياسية، ويأتي بثماره على صعيد القطاع التعليمي، ويقي السوريين من خطر التجهيل الذي يلاحق جيل كامل على وقع ظروف الحرب واللجوء.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية