"القرافة الصغرى".. مرقد عظماء المسلمين في مصر

الخميس، 1 فبراير 2018 ( 09:42 ص - بتوقيت UTC )

على بعد خطوات من قلعة صلاح الدين الأيوبي (قلعة الجبل) بالقاهرة، تقع "القرافة الصغرى" في جبل المقطم، والذي على رغم ارتفاعه المتوسط وحجمه الصغير فإنه الجبل الأشهر في القاهرة. وجاء إطلاق اسم "قرافة" على المقابر في مصر نسبة إلى قبيلة من المغافر، يقال لهم "بنو قرافة".

 وكان بالقاهرة قرافتان، إحداهما فوق سطح المقطم وسميت "القرافة الصغرى" وفيها مدفن الإمام الشافعي، والأخرى شرق الفسطاط بجوار المساكن وسميت "القرافة الكبرى"، وفيها كانت مدافن أموات المسلمين منذ الفتح الإسلامي لمصر، ولم يكن للعرب مقبرة سوى تلك الواقعة في مدينة الفسطاط كما ذكر المقريزي في خططه.

يضم سفح المقطم "القرافة الصغرى"، وهي تمتد من شارع صلاح سالم حتى مشارف جامع بن طولون، هي منطقة يصعب التعرف عليها أو الوصول إليها، إذ أنها محصورة بين قبة الإمام الشافعي وسفح المقطم، وهي المعروفة بمقابر الإمام الشافعي أو "ترب الإمام" حالياً.

أول مدفن في المنطقة كان للإمام الشافعي، وقد أصلح السطان الناصر صلاح الدين الأيوبي قبر الأمام الشافعي ورممه، وفي عام 574هـ/ 1178م تم تصميم تابوت خشبي يعلو التربة، وهو مزخرف بحشوات هندسية منقوشة نقشاً غاية في الإتقان، وكتبت عليه آيات قرآنية. وكتب عليه أيضاً نبذة عن حياة الإمام الشافعي، واسم صانع التابوت "عبيد النجار" بالخطين الكوفي والنسخ الأيوبي.

ولم تكن هذه المنطقة في السابق مقصداً لدفن أموات المسلمين، حتى دفن الملك الكامل محمد الأيوبي فيها ابنه، في سنة 608 هجرية، بجوار قبر الإمام الشافعي، وبنى القبة الكبيرة الموجودة إلى الآن على ضريح الإمام الشافعي.

من أبرز من دفن في ضريح الإمام الشافعي من أسرة صلاح الدين الأيوبي هي زوجته الملكة "شمسة"، وابنه "العزيز عثمان"، كما دفن فيه أيضاً الملك "الكامل بن العادل"، وفي الضريح أيضا مقابر أولاد "ابن عبدالحكم"، وعدد من كبار مشايخ وأئمة المذهب الشافعي، ومن أهم القبور الموجودة في سفح المقطم أضرحة عمرو بن العاص، وعبدالله بن الحارث، وعبيد بن حذافة، وأبوب صرة الغفاري، وعقبة بن عامر، ومسلمة بن مخلد الأنصاري، وقبر السيدة نفيسة، والشريفة فاطمة، والشريف الهاشمي، والأشراف من آل طباطبا، وذي النون المصري، وابن الحسن الديبوري، وعمر بن الفارض، والإمام ورش المدني، وغيرهم.

لذلك أهتم العلماء والكتاب والمؤرخين وعلماء الآثار بجبل المقطم، وذكروا فضل جبانته والمدفون فيها والمساجد المشيدة عليه وأوديته، ولعل أهمها المخطوط الذي وضعه الإمام موفق الدين بن عثمان في القرن السادس عشر للهجرة بعنوان: "مرشد الزوار إلى قبور الأبرار"، والذي بقيت منه مخطوطتان إحداهما في المتحف البريطاني بلندن والأخرى بمكتبة أياصوفيا في تركيا. وذكر فيه مفصلا أكثر من 200 قبر وحدد موقع ووصف ما بها من نقوش وسجل ما كتب على الشاهد ووصف الخط الذي كتب به وقدم ترجمة لصاحب القبر.

وفى سفح جبل المقطم أيضا بالقرب من "القرافة الصغرى" يقع مسجد سلطان العاشقين عمر بن الفارض، الذى يحتفي به الصوفيون كثيرا، فصاحبه عمر بن الفارض، وهو واحد من كبار الشعراء الصوفيين، ويحفل بشعره الشعراء والدارسون، ويصف بعضهم ديوانه بأنه أرق الدواوين شعرا، وتوفي سنة 632 هجرية، 1235م.

وفى سنة 865 هجرية، 1460م، أقام الأمير برقوق الناصري الظاهري قبة على قبر ابن الفارض، وهي قبة صغيرة مبنية بالحجر، ومع القبة كان المسجد الذى جدده بعد ذلك بثلاثة قرون تقريبا فى سنة 1173 هجرية، 1759م، أمير اللواء السلطانى على بك قازدغلى أمير الحج، وعلى جزء من أرض هذا المسجد القديم أنشأت المسجد الحالي الأميرة جميلة فاضيلة هانم ابنة الخديو إسماعيل، عمة الملك فاروق فى سنة 1307 هجرية، 1889م، وجعلته مسجدا مستطيلا تحمل أسقفه أربعة أعمدة حجرية، وله محراب ومنبر يتميزان بالبساطة وألحقت به حديقة صغيرة.

ومع الوقت، نقل الناس أبنيتهم من القرافة الكبرى إلى هناك، وأنشأوا بها "الترب" وعرفت بـ"القرافة الصغرى"، وفى زمن الناصر محمد بن قلاوون استجد الأمراء المماليك تربًا بين قبة الإمام الشافعي وباب القرافة، حتى صارت العمارة متصلة من بركة الحبش جنوبًا إلى باب القرافة شمالًا.

وذكر المؤرخان الأندلسي ابن جبير، وابن سعيد، أنهما باتا بحي القرافة ليالي كثيرة، وأضاف ابن سعيد أن بها قبورًا عليها مبان معنى بها، وتربًا كثيرة عليها أوقاف للفقراء ومدرسة كبيرة للشافعية، ولا تكاد تخلو من طرب خاص فى الليالي المقمرة، وهى معظم مجتمعات أهل مصر وأشهر متنزهاتهم، وكانت هذه البداية لسكن المقابر وتحويلها لمنطقة سكنية.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية