"القط العسيري".. فن سعودي يغزو قائمة "يونيسكو"

الخميس، 1 فبراير 2018 ( 12:36 م - بتوقيت UTC )

تزخر المملكة العربية السعودية، بإرث تاريخي ضارب في القدم، يتنوع بين التراث المادي واللامادي أي"المعنوي"، حيث أُنشئت الدولة السعودية الحديثة، على رقعة جغرافية واسعة، كانت مهداً لنشوء العديد من الحضارات الإنسانية القديمة، كما مثلت أيضا ممراً هاماً لحضارات أخرى.

في العقد الأول من الألفية الجديدة وخلال العام الجاري، كثفت الجهات المختصة في السعودية من جهودها، للإهتمام بالتراث السعودي، والمحافظة عليه، كما سعت للتعريف به في العالم، وتسجيله في قوائم التراث العالمي.

فن "القَط العسيري"، آخر الإنجازات التي استطاعت الجمعية السعودية للمحافظة على التراث إحرازها، إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونيسكو" في كانون الأول/ديسمبر  للعام 2017، إدراجه كفن سعودي تراثي خاص بالزخرفة إلى قائمةالثراث العالمي غير المادي.مشيرة إلى أن هذا يسهم في تعزيز "الترابط الاجتماعي والتضامن بين النساء في المجتمع".

ويعد فن "القط" المشتق من كلمة "الخط" أو "القطع"من التراث القديم، الذي ينتشر في منطقة عسير "جنوبي السعودية"، وتمارسه النساء عادة لزخرفة المنازل من الداخل.

فمع تولي الرجل مسؤولية بناء وصيانة المنزل من الخارج، فإن سيدة المنزل تتولى زخرفته من الداخل بخاصة غرف المعيشة، إذ تُرسم أشكال متناسقة على جدران الغرفة تتضمن ألوانا براقة وجذابة، وأشكال زخرفية هندسية، فضلاً عن استخدامه أيضاً في تزيين الواجهات الداخلية للقصور ما يمنحها طابعاً تاريخياً وجمالياً. 

 

لوحة للفنانة يسرى القحطاني‏ من المعرض المصاحب لحفل تسجيل القط العسيري ضمن التراث القومي العالمي 

 

وتنظم الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ورشات عمل ودورات تدريبية من أجل الحفاظ على هذا الفن من الاندثار، لتوعية الجيل الشاب بشأنه والحفاظ عليه مع التركيز على انجاز منتجات فنية مزخرفة بفن "القط" بغرض إيصاله إلى السوق العالمي، وذلك بالتعاون مع إحدى المؤسسات الفنية البريطانية المهتمة بالفنون التقليدية للشعوب.

الأكاديمي الفرنسي الشهير تييري موجيه كان من أوائل الرحالة الغربيين الذين وصلوا إلى إمارة عسير، حيث ألف كتابه "الجزيرة العربية.. حديقة الرسامين"، وأفرد مساحة منه لفنون النقش والعمران، مصنفا "القط العسيري" كأهم فن جمالي درسه بشكل علمي. حيث بدأ "موجيه" بوصف جماليات التصاميم الهندسية الخارجية لمباني عسير، معتبرا أن تلك التصاميم المبهرة ليست إلا "غلافا يخفي بداخله مهرجانا من التصاميم متعددة الألوان"، والتي تجعل "بيوت عسير تلتهم الألوان بنهم". مضيفاً أن "نساء المنطقة يزين منازلهن بالعفوية".

وأوضح أستاذ الآثار المساعد بجامعة الملك خالد الدكتور علي عبدالله مرزوق لوكالة "واس" المراحل التي يمر بها ما أسماه بفن تجميل المنازل يقول: "يبدأ التقطيط ـ رسم القط ـ بتغطية الحوائط الداخلية بطبقة جصية، تسمى عند أهالي المنطقة (صهاراً)، وبعد جفافها تقوم النساء المختصات بتجميلها بشتى أنواع الرسوم والزخارف. ولا يقتصر فن الزخرفة والتزيين على الحوائط المعمارية، بل تعدى ذلك إلى توظيف هذا الفن على أغلب مصنوعات المنطقة التقليدية من الفخاريات"، مشيرا إلى أن "الفطرية، والتلقائية والدقة، من أهم سمات الفنون الزخرفية في عسير".

 

وتستخدم النساء المتخصصات في هذا الفن، ثلاثة أنواع من الألوان: الأول يستخلص من مساحيق الأحجار، والطين الملون أو النبات، فيما يتم استيراد النوع الثاني كبودرة جاهزة، والنوع الثالث هي الألوان الزيتية الحديثة. وكانت الألوان تستخلص في السابق من لحاء الشجر، ومن الورود، والحشائش وكذلك من أنواع من الحجر والفحم، بينما يستخدم شعر ذيل الماعز أو الأغصان كأداة للتلوين.

وتختلف أشكال الزخرفة من منطقة إلى أخرى، ففي بعضها ترسم النسوة زخرفات بأشكال كبيرة، وفي أخرى يرسمن أشكالا ناعمة ذات تفاصيل دقيقة.وكانت سيدة البيت ترسم خطوطا أولية للزخارف، وتضع نقاطا ملونة تمثل لون كل جزء، بينما تساعد الأخريات في رسم الزخارف والأشكال وتلوينها.

 في الوقت الحاضر  أصبح من الممكن مشاهدة فن "القط العسيري" على لوحات وأوانٍ يقوم بها فنانون من كلا الجنسين، ولم يعد مقتصرا على النساء وعلى جدران المنازل.

فاطمة أبو قحاص  التي توفيت عام 2010م عن عمر ناهز الـ 90 عاما، كانت تُعدّ إحدى رائدت  فن "القط العسيري" والتي أمضت 70 عاما من حياتها في مزاولته، إذ تعلمته على يد والدها. ومن أشهر أعمالها، جدارية يتجاوز طولها عشرات الأمتار  في مدخل قصر أبها الفاخر، إضافة إلى تزيين عدد من الحصون القديمة، والمزارات السياحية.

فاطمة أبو قحاص - احدى رائدات فن القط العسيري

 

ليس "القط العسيري" وحده من وصل إلى العالمية، حيث كللت الجهود التي بذلها المختصون السعوديون، خلال السنوات الماضية في إدراج كلا من: "مدائن صالح"، و"حي طريف بالدرعية"، و "جدة التاريخية"، و "حائل" في قائمة التراث العالمي المادي التابعة لليونيسكو خلال الفترة من العام 2008 الى 2015.

كما نجحوا منذ عام 2012 وحتى أواخر العام 2017، في ضم عدد آخر إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي، ابتداء بفن الصقارة، والمجالس، والقهوة العربية، والعرضة النجدية، والمزمار الحجازي، وآخرها "القط العسيري".

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية