الموسيقى لدى الفارابي.. توزيع عام للسعادة

الأربعاء، 31 يناير 2018 ( 04:14 ص - بتوقيت UTC )

يمكن أن تسمع من أستاذ الموسيقى الذي يدرسك اليوم أن مادة الموسيقى مفيدة للذائقة العامة، وهي تزرع في التلميذ نوعاً من الألق الذهني وتؤجج مجسات الجمال لديه وتهذب قوله وفعله. لكن قد لا يعلم الناسـ بمن فيهم أستاذ الموسيقى نفسهـ أن علوم اللحن والعزف والغناء لا تتوقف فقط عند تعلمها وإتقانها، بل إن الموسيقى، ككلّ علمي وجمالي، يمكن أن تكون برنامجا مجتمعيا وثقافيا متكاملا.. هكذا قال الفارابي منذ 1100 عام تقريبا.

تكشف التأملات في كتابات الفارابي في خصوص مسألة الموسيقى أن غاية هذا الفيلسوف كانت التأسيس لصناعة التمدن كهدف عام، وظهر ذلك في كتاباته حول المنطق والسياسة والميتافيزيقا وفي الموسيقى أيضا، باعتبارها فنا يمكن من خلاله بثّ قيم الجمال والذوق والأخلاق وحتى السياسة، مكملا بذلك ما ذهب إليه الحكماء الأولون مثل أفلاطون وأرسطو عند حديثهم عن وظائف الفنون والجماليات داخل المجتمع. وقد خطرت في ذهن الفارابي فكرة "مدرسة الموسيقى" حينما كان يجتهد لإشاعة أفكاره، مؤسسا لها مدخلا نظريا متأصلا سماه "التربية" وجعله من ضمن علم التعاليم.

وشدد المعلم الثاني على الدور الأخلاقي والمدني للموسيقى باعتبارها "لسان الحكيم في مخاطبة العامة"، بحسب قوله في كتاب "فصول منتزعة". فالمدنية في الموسيقى تكمن في فرض التعلم الجمعي لهذا الفن ومشاركة الأفراد الدارسين للحظة التلقين الموسيقي بحيث تكون العملية التعليمية اقتساما جماعيا للذوق والجمال. وأما من الناحية الفعلية، فإن الموسيقى تنبه الإنسان إلى المعنى الحقيقي للسعادة وذلك لأن اللذة الموسيقية تعد محاكاة لحقيقة السعادة في عمقها الوجداني، وبهذه الكيفية فإن الفارابي أسس لمنهج بيداغوجي بديع هدفه التوزيع العمومي للسعادة عبر اقتسامها بين المجموعة الدارسة لفن الموسيقى.

وقال الفارابي في "فصول منتزعة" لتفصيل رأيه "ولما كان كثير من الهيئات والأخلاق والأفعال تابعة لانفعالات النفس وللخيالات الواقعة فيها على ما تبين من صناعة المدنية، صارت الألحان الكاملة نافعة في إفادة الهيئات والأخلاق وفي أن تبعث في السامعين على الأفعال المطلوبة منهم.... فهي (أي الموسيقى) تبعث على اقتناء سائر الخيرات النفسانية مثل الحكمة والعلوم".

وفي الحقيقة لم يكن الفارابي متفردا في مسألة أن تكون الموسيقى مدخلا للأخلاق والسياسة، فقد كان أرسطو (المعلم الأول) أشار في كتابه "السياسات" إلى أن للموسيقى طابع نفسي وأخلاقي يمكن استغلاله لتأسيس مجموعة متجانسة ومتحدة حول قيم تخضع للجمال كمقياس ومرجع تقرن به الأفعال والسلوكات وحتى السياسات وأنظمة الحكم. ويقول أرسطو "الألحان الخالصة هي بدورها محاكاة للخلق لأن المقامات الموسيقية تختلف تماما من مقام إلى آخر... وللموسيقى قدرة كبرى على تكوين الشخصية ومن هنا كان من الواجب إدخالها في تعليم الصغار... ويبدو أن فينا نوعا من التعاطف مع المقامات والإيقاعات".

أطروحة الفارابي في خصوص المميزات التعليمية والاجتماعية والقيمية للموسيقى تستمد أهميتها من السياق الذي ظهرت فيه. فقد ولد الفارابي وعاش في أوج عهد الفتن والحروب الداخلية التي نشبت داخل المجال العباسي، وواكب المعلم الثاني خلع عدد من الخلفاء ببغداد من قبل الأتراك وثورة الزنوج بالعراق واستقلال عدد من الولايات بأفريقية (تونس والجزائر وليبيا) وهيمنة الفاطميين وبنو رستم وبنو مدرار على المنطقة، كما ثبّت الطولونيون سيطرتهم على بلاد الشام وتأسست الدولة الحمدانية ثم السلجوقية. وفي هذا الخضم التاريخي المكثف اختار الفارابي أن يسائل العقل العربي من منطلق جمالي يناقض الواقع بكل القبح الذي كان فيه، من قتل واغتيال وغزو وصراع على الملك والسلطة، وقد كان وعيه في مسار عكسي لكل ذلك، مفضلا توزيع الجمال على العموم عوض توزيع السلاح كما يحدث في زمننا الراهن.

 
(2)

النقد

مقال مفيد لتوهج الألق الذهني، ليت رؤيته حول توزيع الجمال بدل توزيع السلاح تتحول الى واقع. لكن لا مناص من توأمة الخير والشر على هذه الأرض.

تحياتي سيف

  • 27
  • 23

مرورك دائما أنيق رانيا. فعلا الوجود البشري ليس حلما مثاليا، فدائما ما تحمل كل الأشياء التناقض داخلها. 

  • 23
  • 40

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية