أطفال سورية.. "براءة" يغتالها العمل في تركيا

الأحد، 28 يناير 2018 ( 03:23 ص - بتوقيت UTC )

تغادر أمينة ذات الـ15 عاماً مع شقيقها محمد الذي يصغرها بعام واحد، بيتهما الواقع في حي بلط في مدينة اسطنبول التركية صباح كل يوم، باتجاه حي ميرتر، حيث تقع ورشة الخياطة التي يعملان فيها 12 ساعة يومياً، عدا يومي السبت والأحد، مقابل 200 دولار شهرياً.

تقول أمينة، إن رحلة الذهاب إلى العمل تستغرق ساعة كاملة، لذلك يتوجب عليهما الاستيقاظ مبكراً لتناول الفطور مع والدتهما وشقيقهما أحمد الذي يتوجه بدوره إلى مقهى قريب من المنزل حيث يعمل في التنظيف لقاء أجر زهيد.

في الحي الشعبي التركي الذي نزحت إليه العائلة بسبب الحرب المشتعلة في سورية، يتكرر المشهد ذاته مع عائلات كثيرة فقدت معيلها واضطرتها الظروف إلى العمل بأجور زهيدة تكاد لا تكفي تلبية احتياجاتهم الأساسية.

تقول الأم حبيبة (45 عاماً)، التي فقدت زوجها قبل عامين بعدما تعرض بيتهم في حلب للقصف "مات زوجي وترك لي أربعة أولاد. حين قررنا المجيء إلى تركيا قبل عامين، كان الوضع صعباً جداً في حلب، لم تعد الحياة هناك ممكنة بسبب القصف والصواريخ، قررت أن أهرب مع أولادي للعيش بأمان، لكن الحياة هنا صعبة جداً، كلنا نعمل من أجل تسديد الإيجار والفواتير، لا أستطيع إرسال أولادي إلى المدارس، لأننا بلا معيل".

في ورشة الخياطة يعمل أحمد وأمينة في الفترة من الثامنة صباحاً حتى السابعة مساءً، ويتخللها استراحة قصيرة لتناول الغداء، وأخرى للتدخين وشرب كوب من الشاي. ويقول أحمد: "أعمل في تنظيف الفساتين ونقل البضائع" ويضيف "معلمي التركي لطيف، لكنه لا يتسامح أبداً خلال ساعات العمل، عليك أن تعمل بلا توقف ولا إجازة، من يمرض يفقد عمله على الفور".

مع تدفق اللاجئين السوريين وزيادة التنافس في بيئات العمل، أصبحت عمالة الأطفال مشكلة حقيقية على رغم تشديد الحكومة التركية والدول المانحة على ضرورة منع عمالة الأطفال. وفي هذا الصدد تشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونسيف" إلى أن عدد الأطفال السوريين اللاجئين في تركيا يقدر بنحو مليون طفل، يعيش قسم ضيئل منهم في المخيمات الواقعة في جنوب وجنوب شرق البلاد، بينما يستقر القسم الأكبر مع عائلاتهم في المدن الكبرى كاسطنبول وعنتاب وإزمير.

اللافت للانتباه، كما تقول السيدة يالجين، منسقة شؤون "يونسيف" في الجانب التركي إن "معظم الأطفال السوريين تلقوا تعليماً متفاوتاً في سورية، لكنهم عندما بدأوا العمل هنا، انتهت حياتهم العلمية نهائياً مع الأسف".

ويعتبر القانون التركي عمالة الأطفال دون السن القانونية "عملاً مخالفاً"، لكن أصحاب العمل الذين يفضلون الاعتماد على الطاقات الشابة التي لا تتطلب تأميناً اجتماعياً، وتتقاضى مبالغ زهيدة، مقارنة بما يتقاضاه الأتراك، يغضون الطرف عن تلك القوانين، مستغلين ضعف الرقابة من جانب، وتواطؤ الجهات الرقابية من جانب آخر.

في سياق متصل، صرحت مصادر حكومية تركية، أنها بصدد تقديم قانون جديد يلزم بتدريس الأطفال في المرحلة الابتدائية، وأنها ستعمل على توفير مدارس لكل الأطفال السوريين في البلاد. وبحسب وزارة التربية والتعليم التركية، فإن عدد الأطفال السوريين المحرومين من التعليم النظامي في المدارس يصل إلى 300 ألف طفل، بينما تقول منظمات مستقلة، إن العدد أكبر من ذلك بكثير.

في هذا الصدد أشارت "يالجين" إلى أنه جرى توسيع الطاقات الاستيعابية للمدارس التركية لتضم المزيد من الأطفال السوريين، مضيفة أنه "يجب دعم المعلمين من أجل أن يحسنوا التعامل مع الأطفال الخارجين من دوامة العنف في سوريا، فهم لا يحتاجون إلى المدارس فحسب، إنما إلى دعم وإرشاد نفسي  لأن الكثيرين منهم فقدوا أفراداً من عائلاتهم".

دعم ضئيل وعوائق بيروقراطية

في أواخر العام الماضي، شرعت تركيا في تطبيق الاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي، بخصوص الدعم الشهري المخصص للاجئين السوريين، الذين يقطنون خارج المخيمات، حيث بدأ هؤلاء في التوافد إلى مراكز (الهلال الأحمر) للتسجيل، لكن الآلاف منهم لم يحصلوا على ذلك الكرت، بسبب عدم توفر بطاقة حماية اللاجئ "الكيملك"، بينما استفادت بعض العائلات من الكرت لكن المردود لم يكن كافياً لتغطية احتياجات العائلات الكبيرة.

يوفر هذا الكرت، 100 ليرة تركية تصرف بشكل شهري لكل مسجّل للحصول على هذه المساعدات، ومن لم يتمكن من الحصول عليه، اضطر للعمل لأوقات طويلة وأدخل أطفاله ميادين العمل، مثل حبيبة التي لم يكفها عملها كعاملة تنظيف في إحدى الورش القريبة، فاضطرت إلى دفع ولديها وابنتها إلى سوق العمل، الذي لا يخلو من انتهاكات جسيمة بحق الأطفال.

عصابات التسول

على هامش مشكلة عمالة الأطفال انتشرت ظاهرة أخرى أشد خطراً تتمثل بتشغيل الأطفال السوريين في التسول من قبل عصابات يشرف عليها سوريون وأتراك في مدن تركية متعددة. ولمواجهة هذه الظاهرة، أطلقت الشرطة التركية عدة حملات بالتعاون مع منظمات مدنية وأهلية، لكنها لم تنجح في القضاء عليها لأن المشكلة تتطلب علاجاً جذرياً للأسباب التي خلقتها.

غير أن المسألة لا تنحصر في الظروف التي أجبرت الأطفال على التسول، فقد تبين أن هناك أطفالاً يعملون لصالح عصابات تقوم بتشغيلهم ودفعهم للتسول وجمع الأموال مقابل مبلغ من المال شهرياً، حيث ألقت السلطات التركية القبض على عصابة من السوريين، يقومون باستئجار أطفال من عائلاتهم مقابل أجر قدره ألف ليرة تركية في الشهر الواحد (300 دولار أمريكي).

وقال عضو تجمع المحامين السوريين الأحرار حسام السرحان، إن المادة 229 من قانون الإجراءات الجنائية في القانون التركي تنص على أن "استغلال الأطفال وخاصةً ذوي الإعاقة الجسدية والذهنية بحكم عجزهم عن إدارة شؤونهم في التسول يُعاقب عليه القانون بالسجن من سنة حتى ثلاث سنوات، وتضاعف عقوبة الجريمة بمقدار النصف حال كان المستغل من ذوي القربى، أو حال تم التسول في إطار منظم".

وأضاف السرحان: "بالنسبة لنا نحن السوريين في حال كان المتسول بالغاً، فالعقوبة تصل إلى حد الترحيل".

وتستمر أمينة وشقيقيها بالذهاب إلى العمل يومياً، مهملين فرصة إكمال تعليمهم على الرغم من تفوقهم حين كانوا طلاباً في سورية، تقول أمينة عن ذلك بأسى واضح: "كان حلمي أن أصبح معلمة عندما أكبر، لكن الحرب دمرت كل أحلامي".

 
(2)

النقد

حال الكثير من السوريين في تركيا

  • 24
  • 23

نعم هو كذلك 

  • 21
  • 34

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية