بعد غياب 7 سنوات.. عاد طفلٌ مخطوف لأسرته

الأحد، 28 يناير 2018 ( 07:02 ص - بتوقيت UTC )
الطفل عبد الحميد

حزنٌ مقيمٌ عشش في ثنايا ذلك المنزل الكائن بإحدى القرى المصرية، وهو البيت الذي لطالما كان مصدراً للتفاؤل والأمل في وقت مضى. تحوّل ذلك التفاؤل إلى حدادٍ دائم على مصدر سعادة أسرة بسيطة لا ترجو سوى الصحة والستر والبركة في القليل الذي يأتيها.

 أبٌ مكلوم يواجه ليله القاسي -خلال سبع سنوات مضت- بالدُعاء. لم يفقد الأمل يوماً، تثور بداخله المواجع وتهيج الذكريات فتُبكيه.  يستقوى ببضع آيات من القرآن الكريم تعزز يقينه بعودة ابنه الغائب. في الظلمة يبدو شعاع الأمل حاضراً لم يفارق الأب الموجوع، والذي كان بيقينه الفطري وحسه الديني وطيبة ونقاء قلوب أهل القرية المصرية البسيطة يستذكر قَصص العائدين بعد غياب.

في ظهر يوم شتوي بارد، خفق قلب الأب "صلاح عبد الحميد" مستشعراً غياب ابنه صاحب الأعوام السبعة، والذي خرج للعب مع أصحابه بقرية الميهي بمركز تمى الأمديد محافظة الدقهلية في مصر، ولم يعد منذ الصباح.

يحكي الأب:" عبد الحميد كان حينها في الصف الثاني الابتدائي، وكنا في أجازة منتصف العام الدراسي، خرج ظهر يوم 16 كانون الثاني (يناير) 2011 تحديداً ليلهو مع أصحابه.. استشعرت غيابه وتأخره، رحت أبحث عنه في القرية فلم أعثر عليه، أدركت حينها أنه قد تاه.. نادينا عليه في ميكروفون المسجد ساعة صلاة المغرب، وجاءت سيارة القرية لتنادي عليه وتعلن غيابه لربما رآه أحد من أهالي القرية هنا أو هناك.. لم نجده".

مشاعر أب

لم أكن بحاجة لسؤال الأب صلاح عبد الحميد عن مشاعره آنذاك عندما فقد قرة عينه، فنبرة صوته بينما يحكي لي عن تلك الفترة –ورغم أن ابنه قد عاد إليه أخيراً بعد غياب 7 سنوات كاملة- كانت كفيلة بأن تشرح كل ما كان يختلج صدره آنذاك.

تتفاعل معه مشاعري كأب صوّر إليه أن إبنه قد تاه "أين ذهب؟ هل لازال على قيد الحياة؟ هل اختطفته عصابة لبيع الأعضاء؟ هل اختطفته عصابة لمساومتنا بالمال عليه كما الحوادث التي نقرأها في الأخبار؟ تتتابع علامات الاستفهام ولا جواب يشفي الصدور".

يقول الأب عبد الحميد: "لو مات فإننا سوف ندرك وقتها أن الله استرد أمانته، ولا اعتراض على قضاء الله.. لكن الموجع والمؤلم أنكَ لا تعرف مصير فلذة كبدك.. أهو على قيد الحياة أم لا؟ تظل تلك الأسئلة تتكالب عليكَ وتتجمع في اليوم آلاف المرّات، ولا جواب يقيني عليها، ما يجعل الألم يتعمق ويتجذر بالقلب مع مرور الأيام.. أقصد مع مرور السنوات السبع التي غاب فيها".

 

الطفل عبد الحميد

 

ويضيف الأب: "كنت لا أكف عن الدعاء وقراءة القرآن، فنحن ناس مؤمنون نعرف ربنا ومن أهل القرآن الكريم".. ظلّ الأب طيلة سنوات سبع مضت منذ اختفاء ابنه يعكف على طقوس خاصة كل ليلة، بخاصة في ليلات الجمع المختلفة، والتي كان يستبشر بها خيراً، إيماناً منه بكونها ليال مباركة وطيبة كان يكثر فيها من الصلاة والصلاة على النبي والابتهال.

كان يقوم بنشر صور ومنشورات عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" يطلب فيها من الناس الدعاء لابنه في تلك الليلة بأن يرده الله إليه.. ظل على تلك الحالة سبع سنوات كاملة. لم يفقد الأب أمله ويقينه في الله، يقول إنه خلال تلك الأعوام السبعة أدى فريضة الحج ثلاث مرات. يقول: "كنت أقف أمام الكعبة الشريفة ولا أستطيع أن أقول شيئاً"، لربما آلامه تختنق بداخله وتخنق فيه الكلام والدعاء "لكن الله يعلم حاجتي، وكلي يقين بأنه سوف يستجيب لي ويفرج كربي" يقول عبد الحميد.

الفرج

وبعد 7 سنوات من الغياب، وجد الأب صورة تشبه ملامح ابنه منتشرة عبر "فايسبوك"، فذهب إلى مكان الولد (الذي صار عمره 14 عاماً) ورغم أن ملامحه الطفولية قد تغيّرت إلا أن وجه الشبه مازال حاضراً، فأدرك أنه فعلاً ابنه. يحكي:"رغم أنني حينها كنت أشعر فعلاً أنه ابني إلا أنني كنت متخوفاً من هواجسي بعد ذلك والتشكيك والحيرة.. فقمنا بإجراء تحليل الـ DNA من أجل التأكد.. قلت لمن حولي من العائلة إن علينا الانتظار حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وعدم التعجل، لأنني لو كنت قد سلمت حينها أنه ابني وجاءت نتيجة التحليل مخالفة "كنت رحت فيها، أي مت".. والحمدلله صدق إحساسي، واكتشفت أنه ابني".

ظل الطفل صاحب الأعوام السبعة منذ اختطافه على يد عصابة لخطف الأطفال يعمل لدى تلك العصابة التي كانت "ربما تحضر له شيئاً ما بعد ذلك لكنها لم تنجح في فعله" كما يقول الأب. وقامت العصابة خلال فترة مكوثه لديها –وفق شهادة الابن العائد- بإطلاق اسم آخر عليه حتى أنه بمرور الأيام قد نسي جل ما حدث في حياته وسنواته السبع قبل الاختطاف.

سنوات البعد

مكث سنوات لدى تلك العصابة في مكان "تحت الأرض"، وبعد فترة –لا يذكر مدتها- تمكن من الهرب، تنقل بعد ذلك من مكان لآخر في الشوارع وفي مدن مختلفة. حتى استقر به المطاف ملقياً أسفل أحد الكباري ويعاني من حالة إعياء شديدة، عثر عليه شرطي يدعى صبري ممدوح، قام بنقله إلى المستشفى ثم رعايته في منزله بعدما تماثل للشفاء، وقام الشرطي بنشر صورته على "فايسبوك" ليتمكن ذويه من الوصول إليه.

تقول إحصائية صدرت قبل عامين أن 70 في المئة من حوادث اختطاف الأطفال تتم في الريف،81 في المئة من المختطفين من الذكور. ورصد تقرير صادر العام الماضي عن المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة انتهاكات بحق 4863 طفلا في 2412 قضية تم تداولها إعلامياً في عام 2016، وتتراوح تلك الانتهاكات بين القتل والاختطاف والاغتصاب والغرق وغيرها، من بينها 148 حالة اختطاف.

تأهيل نفسي

عاش عبد الحميد سنوات في الشارع بعيداً عن أهله، ما انطبع على سلوكه وتعاملاته، وما أثر كذلك على إدراكه لطبيعة التطورات التي ألمت به، الأمر الذي دفع أسرته إلى المتابعة مع طبيب مخ وأعصاب مختص، وكذا مستشفى للتأهيل والعلاج النفسي.. يقول والده: "نحن أهل قرآن وأخلاقنا الحمدلله معروفة للجميع.. والسنوات التي عاشها عبد الحميد في الشارع أثرت عليه وعلى طريقة تعامله مع الناس.. وذهبنا به إلى طبيب مخ وأعصاب ونقوم بعمل كل اللازم في مستشفى مجاني".

 عاد عبد الحميد إلى أهله بعد سبع سنوات كاملة من الغياب، لم ينقطع خلالها يقين الأهل بعودته، كانت ثقتهم بالله لا حدود لها.. استقبل أهالي قرية الميهي "عبد الحميد" بسعادة غامرة، وأقاموا له احتفالاً على قدر بساطته فإنه قد أشاع روح الأمل والبهجة في القرية كلها.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية