حمدة يحيى .. فلاحة نهاراً رسامة ليلاً

الجمعة، 26 يناير 2018 ( 11:04 ص - بتوقيت UTC )

"كنت من حزني انتقي الألوان. فإذا بالعمرَ يخضرّ، لتحملني ظلال الألوان والريشة على جناحين حقيقين ويسمع الجميع خطواتي..". يداها ترتجفان، تعبتا من العمل في الحقول والعجين والخبز، وبصرها "خف" على همة الرسم في الليل، لكنها مشتاقة إلى أن تجلس مع الريشة والألوان.

حمدة يحيى إمرأة طال كفاحها حتى حققت ما تمنت، فتغلبت على كثير من الصعاب، ولأن حب حياتها "الرسم" تميزت به؛ فمن بيئة فقيرة لا تهتم بالمواهب، حيث المرأة كانت فيها يد عاملة وآلة انجاب، اكتشفت موهبتها في الرسم عن عمر صغير وقررت أن تنميها، كانت تتذكر أحاديث النسوة في الحقول، وهي تدقُّ بريشتها على مساحة بيضاء، فتنقل صمودهن في طرف إصابعها. 

تقول حمدة يحيى "أنا من قرية جنوبية لبنانية كان نساؤها يقضين نهارهن بين حقول التبغ والزيتون، وجمع الحطب للموقد، وإعداد خبز الصاج، هوايتي الرسم منذ الصغر، ما خالفت عادات البلدة يوماً، عملت كما بنات جيلي، في الزراعة نهاراً، وفي الليل ألملم البرد عن أطفالي، أبيع الهم وأُسقط جنين الحزن والتعب المضني، وأذهب إلى مرسمي المتواضع، أُقفل عليّ بابه، أغرق في بحر الألوان الواسع، أريكة صغيرة وألوان بسيطة ورائحة "كاز" تعبق في المكان حتى ساعات الصباح الأولى، أرسم الطبيعة التي أعمل فيها، كنت ما أستطيع النوم حتى أُنهي لوحتي".

عندما كبر أولادها الثمانية عادت حمدة إلى هوايتها، أدخرت من مصروفها الخاص، واشترت ألوان لوحتها، كانت تحلل الألوان ب"الكاز"، فيمتعض زوجها من الرائحة المزعجة في المنزل، طالباً منها أن توقف هذه "المسخرة"، الا أنه وفي المرحلة التي لاقت لوحات حمدة الفنية استحساناً وتقديراً، وأُقيمت لها  المعارض والتكريمات، وذاع صيتها كفلاحة وفنانة جنوبية، وبدأ شغفها بالرسم ينتج مدخولاً مادياً، آمن الزوج بزوجته وراح يشجعها، بدأ حسن زوج حمدة يشتري لها الألوان ولوازم الرسم، أصبح فخوراً بانتاج حمدة وشهرتها..


كبرت "عيال" حمدة وكبرت همومها، "عندما شعرت أن عينيّ لم تعد تسعفاني للرسم ليلاً، شعرت أنني أنتظر الموت فانصدمت، لكنني في هذا الشتاء قررت العودة إلى الألوان واللوحة، اشتقت لها، علها ترد لي الروح".


حمدة الفلاحة البسيطة والرسامة بالفطرة، تفوقت برسوماتها التراثية، رسمت أكثر من مئة لوحة فنية، سحرت الكثير من المهتمين، واستمدت مواضيعها من بيئتها في كل التفاصيل، كانوا يطلبون منها أن ترسم لتزين لوحاتها التراثية بيوتهم في المعارض تتباهى حمدة بتميزها "أنا كنت الوحيدة التي تشارك بموهبتها فقط دون أن أعرف في أصوله ومدارسه، فالأشياء والمهارات البسيطة دائماً ما ينتج عنها عمل إبداعي مختلف".


بين لوحات عن الطبيعة التي تعيش وتعمل فيها، ولوحات لوجوه تحبها، استعانت حمدة بكل الأفكار والخواطر التي تدور في داخلها فحولتها إلى خطوط وأشكال وبقع وحقل تبغ يمر بجانبه فارس شجاع، كما رسمت حمدة بثوب من الجمال نفسها وهي تخبز على الصاج. أظهرت في لوحاتها كل الحالات الإنسانية والطبيعة وإصرار وعزيمة المرأة التي لا تنكسر "الفأرة أكلت جزءاً من رسومات الطفولة ومنذ ذلك اليوم وقعت عداوة بينها وبين الفئران التي حرمتها من رسوماتها "البكر" في مدرسة الضيعة". تقول حمدة.

حمدة يحيى ليست فقط موهبة جميلة، بل كتلة مشاعر حقيقية، باستطاعتك أن تتعرف على ذلك من نبرة صوتها، واختيارها للكلمات التي تشبه حسها الفني، "الرسم هو روحي، وكل ما رسمته يشبهني، أسقطت على السطح القماشي بعفوية ألواني، وجسدت في لوحاتي الحياة التقليدية اليومية في الضيعة وجميعها مرتبط بالأرض سواء الفلاح الذي يعمل بها أو صمود المرأة الجنوبية التي تمثل الأرض، ونقلت إلى بيوت الآخرين تجربتي، لقد بيعت معظم اللوحات ومنها ما قدمته "هدايا" للأصدقاء ممن يقدرون الموهبة والرسم".


حمدة المزارعة والأم وربة المنزل التي عاشت وتزوجت وأنجبت في ربوع الحقل واستلهمت من رائحة التبغ لوحاتها، وعملت على مساعدة زوجها في مصاريف المنزل، ذاع صيتها كرسامة وفنانة مبدعة، ليصل إلى جمعيات ومنظمات دولية؛ حيث قام الإتحاد الأوروبي بشراء لوحة من حمدة يحيى عن واقع الحرب.

 
(2)

النقد

احببت هذا البروفايل جدا هبة. نص جميل حول شخصية مبدعة من رحم المعاناة.

  • 19
  • 24

من أقوال بيكاسو " الرسم طريقة أخرى لكتابة المذكرات" 

انها سيدة توثق مايدور من حولها و مايختلج مشاعرها 

تحية تقدير لهؤلاء النسوة المكافحات ليلا ونهارا 

موفقة دائما هبة 

  • 24
  • 27

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية