جمال المرأة.. مقاييس يصيغها الدهر

الجمعة، 19 يناير 2018 ( 02:05 م - بتوقيت UTC )

"رُوحِي يَا هَايلَة عَدِلِي كُل مَايلَة".. مثل قديم يشرح حقبة زمنية كان العرب فيها يتغنون بجسد المرأة المكتنز كمعيار للأنوثة، وكلمة "الهايلة" تعني المرأة عظيمة الجسد. ومع تطور الزمن واختلاف الأذواق أصبحت السمنة أمراً مرفوضاً ومستهجناً، حتى وصل الأمر بالكثيرات إلى دفع مبالغ مالية كبيرة لإزاحة هذه الوصمة من طريق عمليات التجميل، لكسب رضا وإعجاب المجتمع.

 كان جسد الفتاة يدل على طبيعة حياتها في بيت أسرتها، فسمنة الفتاة تدل على مدى الخير والدلال الذي كانت تنعم به في بيت والدها، وكذلك بعد الزواج كلما زاد وزن المرأة في بيت زوجها أصبحت مثار فخر واعتزاز، وكان الشعراء أيضاً ينظمون القصائد في المرأة السمينة لأنها كانت تعتبر مقياساً للأنوثة الطاغية.

ومع تغير الزمن وتحديداً بعد المناداة بدور المرأة في المجتمع، والذي لا يقل قدراً عن دور الرجل، سعت النساء للرشاقة والخفة لنيل العمل وتحقيق الظهور، كما اتجهت الكثير ات للتشبه بأيقونات الفن والموضة. وتطور الأمر ليصبح هوساً، بسبب أساليب التخسيس التي ظهرت خلال فترة التسعينات، كالإبر الصينية. وخلال تلك الحقبة كان الفم الصغير والشفاه الدقيقة رمزاً للجمال مع اتساع العين ودقة الأنف، حتى أن الوجه الجميل كان يوصف بالقول: "العيون عيون غزلان والفم خاتم سليمان والخدود تفاح أمريكان".

مع دخول الألفية الثانية لم تعد الشفاه الدقيقة والوديعة تعطي انطباعاً بالأنوثة، وانتشرت عمليات التجميل التي ترجو منها النساء شفاهاً غليظة مكتنزة، واتسع الأمر ليشمل "نفخ الخدود" حتى تصبح بَضَة وردية، و"رفع الحاجبين" لتوسيع الجفون، وأصبحت الشفاه الغليظة والخدود الكروية والحاجبان المعلقان بالجبهة، معياراً أساسياً لجمال المرأة.

تقول الحاجة زينب، التي تجاوزت الـ70 عاما وتقطن في حي مصر القديمة، "زمان لما كانت البنت تيجي تتجوز تقعد قدام أمها تزغطها عشان تسمن وتربرب عشان يتقال عليها كانت عايشة في خير وعز أبوها، ودليل على أن الأكل والزاد في بيت أبوها لِلدَوَاس (فائض)". وتستطرد، "ييجي العريس بعد الجواز ياخدها تحدي ويسمن في مراته عشان يتباهى ويقول سمنت في بيتي وخيري أكتر من خير أبوها.. لكن دلوقتي (الآن) تعالى بص ع البنات والعرايس وحتى اللي خَلِفِت (أنجبت) عيل ولا اتنين بقوا عاملين زي بوص النخلة ولا ليهم كَسم ولا رَسم".

ووصلت حالة "النفخ" إلى الصدر والأرداف، وتطور الأمر بعد ذلك لتظهر عمليات توزيع الدهون داخل الجسم في المناطق التي تحقق المطلوب وكأن الطبيب يفصل فستاناً، إلى أن ظهرت الأجهزة الخاصة بـ"نحت الجسد"، التي تعيد نحت العضلات وترسم الجسد ابتداء من الوجه وانتهاء بأصابع القدمين. هذه الأجهزة مكنت النساء من اختيار أجسادهن.  فهناك من يردن جسد كيم كاردشيان، وغيرهن يطلبن جسد أيقونة السينما المصرية هند رستم، وهناك المعجبات بشاكيرا ومارلين مونرو ..إلخ، وما على الطبيب إلا أن ينفذ الرغبات ويحقق الأحلام، لتصبح فئة أطباء التجميل من أثرى الفئات داخل المجتمع بسبب تزاحم النساء على عياداتهم.

يرى الدكتور حسن حشيش، أخصائي التخسيس بالإبر الصينية، أن الرشاقة مطلب ضروري جداً، شريطة ألا يتحول الأمر إلى هوس، فقد أصبحت الرشاقة عند النساء الأوروبيات مَرَضية، لكن هنا في مصر لا زالت أحلام النساء في حدود الرشاقة الطبيعية والصحية. ورغم انتشار عمليات التجميل وشفط الدهون، إلا أن الكثيرات من النساء المصريات والعربيات يفضلن الرشاقة الآمنة التي تعتمد على النظام الغذائي الصحي بجانب استخدام الوصفات العشبية والإبر الصينية أحياناً.

زرت أحد أكبر عيادات أطباء التجميل في مصر وكانت المفاجئة الأولى أن قيمة الكشف 500 جنيه تدفعها المرأة لمجرد الدردشة مع الطبيب ليس أكثر. وأذهلني أن غالبية رواد العيادة من صغيرات السن. دخلت مكتب الطبيب وصارحته بسبب الزيارة، فرحب وطلب عدم الإطالة لضيق الوقت. وكان الملح في تلك الدقائق القليلة سؤال واحد، عن الفرق بين ما كانت تطلبه النساء قديماً وما تطلبنه الآن. أجاب باختصار:" أن المرأة في السابق كان أقصى حلم لها أن تحصل على جسد أنيق، وكانت عمليات شفط الدهون وتدبيس المعدة هي المنتشرة في تلك الفترة، لكن الآن اختلف الأمر كلياً فالنساء تأتي للعيادة بطلبات ومقاييس معينة كأرداف كيم كاردشيان، ووسط ميريام فارس، وساقي شاكيرا، وصدر هيفاء وهبي. وبجهاز النحت رباعي الأبعاد أصبح بالإمكان نحت الجسد حسب رغبة الحالة بكل سهولة ويسر".

وكما اختلفت معايير جمال الجسم، اختلفت معايير الجمال بالنسبة للشعر أيضاً. فقديما كان الشعر المجعد الطويل الكثيف تاجاً يزين رأس المرأة، ثم أصبح الشعر القصير الملتوي كشعر فاتن حمامة ومارلين مونرو، وتطور الأمر بعد ذلك ليصبح الوجه الجميل هو الذي يزينه شعر الليث المسترسل، قبل أن يظهر الكرياتين والحناء المدموجة بالفورمالين لفرد الشعر.

وبينما تتنافس النساء في عمليات التجميل للوصول إلى أجساد أنيقة، لا ندري ماذا يخبئ لنا الزمن من معايير جديدة قد تسطو على أجساد النساء مجدداً، فمن الممكن خلال وقت قريب أن يصبح ما نحن عليه الآن مجرد موضة عابرة أخذت وقتها وانتهت.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية