هل أساءت الجامعة الجزائرية إلى اللاجئين السوريين؟

الخميس، 18 يناير 2018 ( 02:46 ص - بتوقيت UTC )

عادةً ما تبقى المذكّرات والرسائل الأكاديمية حبيسة أدراج الجامعات، وقليلاً ما تخرج إلى المجتمع لتُثير جدلاً أو تخلق نقاشاً عبر منصّات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام التقليدي.

غير أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى رسالة تخرُّج أُنجزت في إحدى الجامعات الجزائرية حول موضوع «تسوّل النساء السوريّات في الجزائر».

أثار البحث الأكاديمي موجةً من ردود الأفعال لدى السوريّين والجزائريين على حدّ سواء، واعتبره كثيرٌ منهم مسيئاً للسوريّين، وللمرأة السورية خصوصاً.

قُدّم، البحث الذي أنجزته طالبتان في «جامعة الجيلالي بونعامة» في محافظة عين الدفلى (غرب الجزائر العاصمة)، كرسالة لنيل شهادة «الماستر» في تخصّص «سوسيولوجيا العنف والعلم الجنائي».

وحملت الرسالة عنوان «تسوّل المرأة اللاجئة السورية في المجتمع الجزائري»، مع عنوانٍ فرعي هو «دراسة ميدانية لعيّنة من اللاجئات السوريّات في كلّ من ولاية الجزائر العاصمة وعين الدفلى».

ورغم أن تاريخها يعود إلى السنة الجامعية 2015/ 2016، إلّا أن الرسالة برزت على الواجهة مؤخّراً، بعد تداول صورة غلافها على نطاق واسع، في وسائل التواصل الاجتماعي.

وتتألّف الدراسة، التي اطّلعت «شبكة الحياة الاجتماعية» عليها، من 118 صفحة، وتتضمّن مقابلات منهجيةً مرفقة بالصور مع ثماني سوريات، لكنها لم تخلص إلى توصيات للمجتمع أو للحكومة الجزائريَّين.

وتُقدّر الأرقام الرسمية عدد اللاجئين السوريين في الجزائر، منذ 2011، بقرابة 40 ألف شخص.

أثارت الرسالة موجةً من الاستنكار، واعتبر مغرّدون أنها تنتهك أخلقيات البحث العلمي وتسيء إلى السوريّين.

وعلّق الشاعر السوري نوري الجرّاح قائلاً: «النساء السوريات اللواتي أهانتهن الأكاديميا الجزائرية اليوم هنّ بنات وحفيدات الماجدات اللواتي تبرّعن بأساورهن للثورة الجزائرية».

 

واعتبرت الأكاديمية الجزائرية حكيمة صبايحي أن عنوان الرسالة «غير أخلاقي»، مضيفةً أنه «واحد من آلاف العناوين الأكاديمية التي تُعاني من السطحية والتبجّح».

 

وكتب الأكاديمي حميد زناز: «أنظروا الانحطاط الذي سقط فيه عِلم ماكس فيبر».

 

أمّا الصحافي محمد يعقوبي، فوصف الرسالة بأنها «حماقة تنتهك أخوّة الدين والإنسانية بين الشعبَين»، داعياً الطلبة والأساتذة إلى «اختيار موضوعات أكثر تحضُّراً وإنسانية».

 

ودعا الكاتب السوري المقيم في فرنسا، علي المرعبي، السلطات الجزائرية إلى التحقيق في الموضوع، ومنع الأستاذة المشرفة على ما وصفه بـ «الدراسة اللاأخلاقية» من حقّ الإشراف البحثي والعلمي في كلّ الجامعات الجزائرية.

وكتب المرعبي في صفحته على فيسبوك: «من الجانب العلمي والمنهجي، لم نسمع عن أيّة دراسة تصِم شعباً بأكمله من خلال المرأة السورية بتوصيفات عنصرية ومهينة للشعب السوري»، مردفاً أن تسوّل اللاجئين السوريّين يقتصر على «حالات تسوّل محدودة لأسباب معروفة، ولا يجوز تعميمها؛ كمثل هذه الإهانة المرفوضة جملةً وتفصيلاً».

 

وفي منشور لاحق، أشار المرعبي، الذي يُشرف على «مركز ذرا للدراسات والأبحاث» في باريس، إلى أن المركز راسل كلّاً من وزير التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، الطاهر حجّار، ورئيس «جامعة الجيلالي بونعامة»، محمد بزينة، وطالبهما بـ «التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية والمسلكية».

 

وبينما تعذّر علينا التواصل مع الطالبتَين أو الأستاذة المشرفة على الرسالة، لم يصدُر، حتى كتابة هذا الموضوع، أي ردّ رسمي من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، أو من «جامعة جيلالي بونعامة» في محافظة عين الدفلى.

وردّاً على سؤال وجّهَته «شبكة الحياة الاجتماعية» حول أخلاقية ومهنية العنوان، رفض الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع، ناصر جابي، الحكم على غلاف الرسالة، قائلاً إنه لا يستطيع إصدار حكم على كتابٍ أو بحث من خلال عنوانه فقط، ومن دون الاطّلاع على مضمونه، مضيفاً أن كلّ المواضيع قابلةٌ للدراسة الأكاديمية.

ويتّفق الأكاديمي إسماعيل مهنانة، مع النقطة الأخيرة؛ إذ يقول إنه، ومن حيث المبدأ، لا شيء يمنع علم الاجتماع من دراسة أيّة ظاهرة مهما كانت تثير الحساسية. وهنا يتدخّل ذكاء الباحث في انتقاء لغته، بحيث يتوخّى الموضوعية ويتجنّب استفزاز القارئ، وفق تعبيره.

ويُضيف أستاذ الفلسفة الغربية المعاصرة في «جامعة قسنطينة» (شرق الجزائر)، أن ما يُعاب في هذه المذكّرة هو عنوانها «الذي كان يمكن أن يكون أكثر تهذيباً؛ كأن نستخدم عبارة: ظاهرة التسوّل بين اللاجئين في الجزائر».

ويُحمّل مهنانة مسؤولية ما يصفه بالخطأ للمشرف على البحث ولجنة المذكّرات في الجامعة، والتي قال إن من بين وظائفها تعديلُ ومراقبةُ عناوين الرسائل والنظرُ في جوانبها العلمية والأخلاقية.

من ناحيته، يرى أستاذ الإعلام في «جامعة الجزائر»، حسين هنّي، أن الباحثتَين «لم تحترما أخلاقيات البحث العلمي التي يُفترَض أن تكون فوق كل اعتبار»، مضيفاً أنه كان بإمكانهما تناول موضوع التسوّل من دون ربطه بجنسية معيّنة، أو بالمرأة دون الرجل.

وبرأي هنّي، فإن «مثل هذه الدراسات تُسيئ الى منتسبي قطاع التعليم العالي، وإلى صورة الجزائر على الصعيد الدولي»، وأن «وضعها في المكتبات سيجعل منها مرجعاً للدفعات المقبلة، ما قد يُسهم في ترسيخ الأفكار والذهنيات نفسها».

ويُشدّد المتحدّث على أن الجميع يتحمّلون المسؤولية؛ «لأن مواضيع المذكّرات، أو الرسائل الجامعية، لا تتمّ الموافقة عليها إلا بعد مرورها على المجلس العلمي للكلية، والذي يُفتَرض أن يضمّ أحسن وأكفأ الأساتذة».

ويعتقد الصحافي السوري المقيم في الجزائر، محمد عبيدو، أن الرسالة تُعكس «تراجع مستوى الجامعة في الجزائر، وغياب المعايير الأكاديمية والأخلاقية لانتقاء الدراسات».

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية