"التشقيعة".. تراث لبناني على وشك الاندثار

الأحد، 21 أبريل 2019 ( 11:39 ص - بتوقيت UTC )

كان منزل جده أبو قاسم حيث نشأ وفتح عينيه على الدنيا، عبارة عن غرفتين متلاصقتين تعلو إحداهما بـ 40 سم عن الأخرى، ومطبخ ملاصق للغرفة الوسطى. من ذكريات طفولته يذكر محمد لمع على صفحته في "فايسبوك" المشهد الذي بقي في خاطره أيام الاحتلال الإسرائيلي، والانتقال عصر كل يوم إلى منزل جارتهم أم نبيل لقضاء الليل في أرضية صغيرة كانوا يعتبرونها آمنة نسبياً.

يقول لمع "كانت أم نبيل تُنزل الفُرش من إحدى زوايا الغرفة، وكان لهذا الحدث تعبير دارج هو (التشقيعة)، والتشقيعة هي تراكم الفرش واللّحف والوسائد فوق بعضها، فتصبح كومة كبيرة ذات شكل مكعب". يعلق فارس بدران "(التشقيعة) جيلنا رح يفهمها، أما الجيل الذي ينام بجانب (بريز) الكهرباء لن يفهمها".

تعليق بدران وذكريات لمع فتحت باب الذكريات على الزمن الجميل والحياة البسيطة، على رغم صعوبتها، حيث كان النوم على سرير مرتفع بمثابة حلم. نور الدين الحاج ترحمت على أمهات وأيام زمان، وعلقت "الله ما أحلاك يا (تشقيعة ستي) ياللي كل غطاء بلون، وفيه ترقيعات من يديك التعبانين".

منذ زمن اختفت أيام "التقشيعة"، حيث لم يكن يخلو منها بيت، على رغم أن البيوت قديماً كانت لا تتعدى غرفتين واسعتين. كانت سيدة المنزل تختار زاوية من البيت تضع فيها "طبلية" مستطيلة، وهي عبارة عن طاولة خشبية بأرجل قصيرة، توضع عليها فرش النوم والمخدات والحرامات التي كانت تُفرش ليلاً وتُرتب نهاراً.

وللحفاظ على توازن "التشقيعة" تضع بينهم "تكايات" مخدات، حتى لا تنهار كومة اللحف والفرش المكدسة بإتقان، ثم تُغطى بشرشف أبيض عادة ما يكون مطرزاً بأجمل الأشكال، وتسمى "التشقيعة" بالتراث اللبناني. تعلق زينب أشقر "أمي بتاخد بطولة العالم بضب (التشقيعة)".

كانت الأمهات تتباهين فيما بينهن، حيث من يهندس "الشرشف" الأبيض فوق "التشقيعة" أفضل من الأخرى، فترتيبه بحاجة إلى دورة تدريبية بهندسة (الطيات)، "مشروع هندسي متكامل" تعلق سحر مقداد.

في قرى الجنوب وحتى في البيوت البيروتية كل ربات المنزل كان لديهن "تشقيعة"، غالباً ما كانت تسلم من إيدي أطفالهن الذين يقومون بالتسلق فوقها، ثم يقفزون من الأعلى إلى الأرض. تعلق بلقيس نحاس في "فايسبوك" على صورة "تشقيعة" قديمة نشرها المستخدم عمر بلعوس فتقول "رزق الله، فعلاً كان عنا (تشقيعة).. ما كان يخلى منها بيت بيروتي، وما كنا نستطيع الاقتراب منها حتى ما توقع وناكل (ننال) بهدلة من أمي".

اختفت أيام الألفة والمحبة وجمع الأهل، حيث الأحاديث والحكايات بلا شاشات تلفزة ولا هواتف ذكية، واختفت معها "التشقيعة" في البيوت الحديثة، التي كانت تؤثث موادها، غرفة النوم ليلاً "كعب ورأس".

كانت "الفرشة" و"المسند" ملاذاً للكبار والصغار، ليحل محلها اليوم سرير خاص لكل طفل، والكثير من الخصوصية داخل غرفهم. تعلق حوراء "هلق بالبيوت ما عاد نشوف هذه العادة.. ما في فرش زيادة.. بس في أغطية شتوية"، يتم ترتيبها مباشرة فوق السرير بعد الاستيقاظ صباحاً، وتتابع كلامها بحسرة "ليتها تعود تلك الأيام.. الرحمة لمن عاشها وورثها".

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية