الحد الفاصل بين التجريب والتخريب في المسرح

الخميس، 8 نوفمبر 2018 ( 04:24 م - بتوقيت UTC )

يرتبط مفهوم التجريب في الأدب والفن بالإبداع بوصفه تجاوزا للمألوف والإتيان بالجديد الذي يكسر نمط اللحظة الفنية ومعها أفق توقع المتلقي. وبحسب تعريف الباحث الصديق الصادق العماري فإن "فكرة التجريب في المسرح تقوم على تجاوز ما هو مطروح من الأشكال المختلفة المسرحية من حيث الشكل و الرؤية، من أجل تقديم صورة حقيقية عما هو موجود بالفعل، وكلمة تجريب مرتبطة بالتحديث، وهذا الربط يفصل بين الأصل و الجديد. و بالتالي أن نجرب يعني أن نرحل في المجهول، إنه ذلك الشيئ الذي لا يمكن توضيحه إلا بعد الحدث، و أن تكون طليعيا يعني أن تخرج خروجا فعليا وحقيقيا على المألوف لتكون في طليعة أي مقدمة".

من هذا المنطلق يتم التأكيد على ضرورة التجريب في المسرح كونه يشكل مفهوم الإبداع لا أن تكون الأعمال الفنية مكررة لبعضها، ولكن نتساءل عن حدود التجريب ومتى يمكن أن نخشى أن يتحول التجريب إلى تخريب تحت لافتة كسر النمط والبحث خارج المألوف.

إن الانطلاق من المفهوم الذي يرى بأن التجريب ثورة على التقنية القديمة وخروج على كل قاعدة -بحسب ما يذكر الباحث عبدالله حسن الغيث في بحث له في مجلة العلوم والتقانة بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا- دون أي ضوابط قد يجعل منه أحيانا مسرحا عبثيا، لأنه في الاعتقاد أن لكل فن مجموعة من الضوابط المحددة التي لو خرج عنها المؤلف فإنه سيغير روح هذا الفن ويضيع هويته، وللمسرح قواعد أو بنية عامة ينبغي أن لا يؤدي التجريب إلى انحراف هذه الهوية أو إلى طمسها.

في مهرجان المسرح التجريبي يسجل الكاتب المصري أسامة الرحيمي في صفحته الشخصية على "فايسبوك" هذه الانطابعات التي تعكس هذا التساؤل أو الحد الفاصل بين التجريب والتخريب قائلا: "حضرت افتتاح مهرجان المسرح التجريبي هذه الليلة.. والحقيقة فوجئت بعدم فهم أي شئ من العرض اللي قدمه خالد جلال.. وربما يفزع هذا مُريديه، وهم كثُر،.. لكن العرض بلا موضوع، ولا فُكيّرة حتى!. واعتمد المخرج الزخرف، ورصّ الشباب في شكل المربع، مع إضاءة عصبية باهرة، وموسيقى صاخبة لاهثة، وتغيير ألوان خاطف، وأخذ مقتطفات من أعمال مسرحية متباينة بلا أي رابط، واستخدام عدة لغات أجنبية أكثر من العربية دون منطق.. والكولاج كما نعرفه يمكنه تكوين لوحه مبهرة من قطع ممزقة.. لكن إن لم تنتظمها «رؤية ما» تكون عبثا، حتى لو احتوى كل آيات الإبهار، وكل هذا أبعد العرض عن كل المتوقع من التجريب، وعن أي مسرح في ظني".

إن ما أشار إليه الرحيمي في معرض اعتراضه على المبالغة في استخدام التقنية داخل العرض المسرحي، كان قد تم مناقشته وهناك آراء متعارضة بين مؤيد ومعارض بحسب الغيث في دراسته المشار إليها  سابقا والتي ينحاز فيها إلى أن جواز أن ينحاز الفن لكل ما يمكنه من إيصال رسالته الفنية، ولكن شرط أن لا يؤدي ذلك إلى تشتيت ذهن المتلقي وإبعاده عن روح العمل الفني المعروض وإلا تحولت المسرحية إلى شكل لا علاقة له بالمسرح ولا بأي جنس فني آخر.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية