القورما.. مؤونة اللحوم قبل موضة الديليفيري

الأربعاء، 20 نوفمبر 2019 ( 07:19 ص - بتوقيت UTC )

غالباً ما يستغرق طهي القَوَرما وقتًا كبيرًا، لكن سرعان ما تتعجل الأسر في تذوقها بعد نضوجها في القدر الكبير؛ في استهلال لعادةِ استهلاكها تباعاً وبشكل يومي عند إعداد الأطباق أو تحضير المناقيش.

ولأنها تُعتبر من أساسيات مؤونة الشتاء في لبنان، درجت العادة في القرى وقبل حلول الـ"ديليفيري"، على أن تُطبخ القورما بكميات كبيرة تكفي ما تحتاجه الأسرة من لحوم في فصل الشتاء الذي يحتجز الجميع في منازلهم، ثم يُخبّأ المنتج "البيتي" في أوعية كبيرة أو مرطبانات صغيرة ليكون بالمتناول كلّما شرعت ربة المنزل في الطبخ.

وجبة تراثية

إن لم يكن مصطلح "قورما" واضحاً لمن لا يعرفه، أو تذوّقه من دون أن يميّزه باسم، يُمكن الاستعانة بما نقله كتاب "شمسطار في الذاكرة" الذي أعدته بلدية هذه القرية الواقعة شمال شرق لبنان، عن مشهدية التقليد القديم في إعداد الطبق الوسيط والذي يُعد من أبرز الأكلات التراثية اللبنانية، وفيه ما يمكن اعتباره شرحاً موجزاً لماهية الكلمة. ومما جاء في الكتاب عند شرح القورما: "خراف تربط خلال فصل الصيف في البستان أو الدّار، يتم تسمينها حتى أول تشرين الثاني (نوفمبر) لتذبح وتصنع منها القورما. حيث يطبخ اللحم الأحمر مع الألية والشحوم حتى ينضج ثم يٌعبأ في جرار خاصة، ويستغني صاحب القورما عن اللحم طوال فصل الشتاء".

مع العلم أن ملعقة كبيرة من القورما تكفي عادةً لإعداد يخنة لذيذة أو تحضير طبق البصلية (وهي مزيج من البندورة والبصل واللحم)، وكذلك البيض المقلي الذي يغرد كريستيان بشأنه قائلاً: "بتِسأل اللبناني مين إجا (جاء) قبل (أولًا) البيضة أو الدجاجة.. بيقلّك ما بيهمّ (لا يهم)،  المهمّ يكون إجا مع البيضة قوَرمَا".

وصفة وطبخة

إلى ذلك، وعلى اعتبار أن الغاية من تحضير المؤونة هو تأمين الكفاية في فترات الشح الموسمية وبالتالي التزوّد بالمأكل والمشرب قبل هبوب الريح وتساقط الثلوج الذي كان يقطع موارد الإمداد، هل يعني تبدل الظروف في أيامنا أن القورما اختفت تماماً بعدما أصبح من السهل التنقّل والإنتقال خلال فصل الشتاء، وكذلك الوصول إلى مختلف البضائع لا سيما اللحوم وعلى مدار أيام السنة؟.

كلا، لكن خارطة توزّع القدور الكبيرة التي تُذاب فيها الدهون والشحوم ببطء ثم تُضاف إليها بعد تحولها إلى سائل غني، قطع اللحم المفروم والمملح لتسويتها جيداً قبل حفظها في أوانٍ خاصة من دون الحاجة إلى ثلّاجة، باتت أقل كثافة بكثير، لا سيما وأن من يحافظون على هذا التراث قلّة قليلة، وأن القورما نفسها تحوّلت إلى سلعة "ترفٍ" تجد من يٌعدّها ويبيعها ومن يشتريها أيضاً، من دون أن يلغي ذلك احتمال تقديمها كعربون محبة من جانب من اعتادوا التعبير عن اهتمامهم بالآخرين بهدايا "موسمية" منها المربّى حينًا والكشك (مزيج مجفف ومطحون من الزبادي والبرغل) حينًا آخر.

حنين

في المقابل، يجلس من يصعب عليهم الحصول على القورما أو يشتهونها من دون أن تتمكن يدهم من أن تطالها في أي حين، خلف شاشاتهم ويغرّدون على "تويتر" بشيء من الحنين والكثير من الأسى. ومنهم عتاب التي كتبت متحسّرة لو أن بإمكانها الحصول على طبق من الكشك الساخن المعدّ مع القورما، وعبدالله الذي استذكر مثلها إلى جانب الكشك بقورما، رغيف الخبز الساخن المحشو بهذه اللحوم المُعدّة "عالأصول".

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية