الكنتسوجي الياباني.. فلسفة الترميم والشفاء بالذهب

الأحد، 9 سبتمبر 2018 ( 12:00 م - بتوقيت UTC )

لم يفهم كل من قرأ تغريدة نسرين على "تويتر" معناها، حتى إن البعض توقف لبرهة أمام إحدى الكلمات الواردة فيها ليتهجّأها بطريقة صحيحة، فأخفق في المرة الأولى، وفي الثانية أصاب الهدف بقراءة متأنية وبصوت خفيض. كتبت نسرين "حاول أن تكون (كنتسوجي) في حياتك وتعاملاتك"، فاستوقف التعبير من عاين العبارة ورسم في ذهنه علامة استفهام حول اللغة الأصلية التي تنتمي إليها كلمة "كنتسوجي"، ليبني على الشيء مقتضاه فيبلغه المغزى من هذه النصيحة، علّه يعمل بها.

في الجانب الآخر من العالم الافتراضي - على "فايسبوك" تحديداً - كانت حياة أكثر وضوحاً حين اختصرت الكثير بمنشورٍ لم يتجاوز بضعة أسطر، وأعاد الكثيرون مشاركته لنشر الفكرة والعبرة. ففي ذاك اليوم كتبت حياة "تعرف اليابان منذ قرون فناً يُسمى (كنتسوجي)، وفيه يتم إصلاح الأواني والأطباق المكسورة بالذهب"، كاشفة عن أن "هذا الفن يعبّر بصورة رمزية عن أن الصعاب والانكسارات في حياة الإنسان هي التي تُبرز الذهب أو الجمال والقوة بداخله".

أصابت حياة في تقديم التوصيف الدقيق للتقنية المتوارثة، التي كان ليتمكن من يعرف من القرّاء اللغة اليابانية من تفنيدها، ذلك لأن الكلمة المفتاح "كنتسوجي"، وبحسب موقع esprit-kintsugi، تأتي من كلمتي "kin" ومعناها ذهب، و"Tsugi" التي تعني ربط، لتصبح الترجمة الحرفية لهذه التقنية: "ربط الذهب".

ترميم فني

بالعودة إلى الاستهلال الزمني لـ"كنتسوجي" يُشير الموقع إلى أن اكتشاف هذه التقنية القديمة يعود إلى القرن الخامس عشر. والمزيد يقدمه موقع "cosmopolitan" عند سرده روايةً لما حدث في ذاك القرن، حيث جاء فيها أن أمير الحرب الياباني أشيكاغا يوشيماسا، وخلال حفلة شاي، كسر آنيته المفضلة، فعاد بها إلى الصين لإصلاحها، لكنه استردها بعد ترميمها باستخدام دبابيس معدنية، فأحبطته النتيجة، وعندها عهد إلى حرفيين يابانيين بمهمة الإصلاح بطريقة فنية أكثر، ما أفضى إلى ابتكار فن الـ"كنتسوجي".

ولكن كيف تتم عملية الإصلاح هذه؟. بين المادي والمعنوي، يرتكز فن الـ"كنتسوجي" على فكرة إصلاح ما تم كسره، ليس بتمويه الشقوق وإخفائها، بل بإبرازها عن طريق لون الذهب الذي لا تغفل عنه عين، ويجذب الكبار والصغار ببريقه الأخاذ.

هذا من حيث المبدأ، لكن في الأساس، يتطلب "ربط الذهب" المرور بمرحلة ترميمية أولى يتم فيها تنظيف القطع، ومن ثم استخدام الغراء الطبيعي للصقها مرّات عدة بقدر ما يقتضي الأمر ذلك، كما يمكن تخيّل المدة الزمنية التي تقتضيها هذه المرحلة بالنظر إلى حال الآنية المكسورة، فكلّما زاد عدد القطع المتكسرة وصغر حجمها، كلّما تطلبت عملية الترميم وقتاً أطول.

في المرحلة التالية تُستخدم بودرة الذهب لتعمّد إظهار الشقوق، فتُبيّن كل تلك الخطوط التي فصلت بالإنكسار بين القطع، ثم يتم لحمها مرة أخرى ليعيد الفن تشكيل الآنية بشكل لا يتوخى إعجاب الناظرين فحسب، بل حثهم على التفكر في المعاني التي تبثّها الـ"كنتسوجي".

فلسفة "ربط الذهب"

وفي هذا الشأن يشير "esprit-kintsugi" إلى أن فلسفة "ربط الذهب" تتجاوز كونها مجرد ممارسة فنية بسيطة فهي ترمز إلى الشفاء، لافتاً إلى أن الجسم المكسور الذي يتم ترميمه يتقبل ماضيه ويصبح في المقابل أكثر مرونة وأكثر جمالاً وأكثر قيمةً عما كان عليه قبل الصدمة.

وفي ذلك إشارة إلى إمكانية أن يأخذ الإنسان من هذه الفلسفة جوهرها بتقبل كل انكساراته والصعاب التي عاشها أو يعيشها لأنها تظهر أجمل ما فيه، وهو ما دعت إليه نسرين في تغريدتها عندما قالت "حاول أن تكون (كنتسوجي) في حياتك وتعاملاتك"، وما كتبت بشأنه صفاء معلقةً "لازمني أتعلم هيك فن"، مضيفةً "وحدة من الأشياء الغلط (الخاطئة) الّي حافظينها بحياتنا وماشين عليها (الي انكسر ما بتصلح)".

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية