تدمير مؤسسة المسحال لم يهزم الفن والثقافة في غزة

الاثنين، 20 August 2018 ( 09:04 م - بتوقيت UTC )

"ها هو العدو يضرب في الذاكرة، يضرب في الحب والأغنيات والأفلام، يكتم قلوباً تعلقت في الكراسي عنابية اللون، وشاشات العرض، والمسرح الدافئ الجميل. كان أحد الأماكن التي تدعونا لأن نتمسك بهذه المدينة الصعبة المملة، يساعدنا في التقاط الأنفاس، والتماس الضحك، والتقاء الأصدقاء ممن عز مواعدتهم وباعدت بينهم المسافات. يكتب محمود جودة على "فايسبوك" يرثي مؤسسة سعيد المسحال الثقافية التي سواها الاحتلال الإسرائيلي بالأرض بعد قصف المبنى بـ8 صواريخ من طائراة مسيرة قبل تسويته بالأرض من قبل طائرة F16.

المكان الذي اتسع للحوارات واللقاءات الشعرية ومناقشات الكتب والعروض المسرحية والسينمائية، انسكبت عليه أنهار من الدموع وخفقت آلاف القلوب حزناً على ما حل به. كانت المؤسسة مساحة للفرح والحب والثقافة والفن والموسيقى التي تلون حياة أهالي غزة المحاصرة والواقعة تحت نار الاستهداف الإسرائيلي المتكرر، وكان الرئة التي يتنفسون منها لإعلان حبهم للحياة وتطلعهم للمستقبل وعشقهم للفنون الراقية لا النار والبارود.

وعد بالنهوض

في جولة على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن لمس الألم الجماعي الذي أصاب أبناء غزة والفلسطينيين بشكل عام وكل أهل الفن والثقافة الذين تعاونوا مع المؤسسة وشهدوا على أنشطتها من فنانين عرب وأجانب.

"لم يكن مؤسسة، أو قاعة، أو مسرح، كان عالم صغير لمثقفي وكتاب وشعراء وفناني غزة، عالم يرون من خلاله ما تيسر من فرح.. إننا نبكي الأحياء من لحم ودم، ونبكي أيضاً على المسارح ورائحتها، ونرثي حجارتها.. اليوم قطف الاحتلال زهرة هذه المدينة، قطف الذكريات والذاكرة، إنه ينجح دائماً في ذلك!".. يقول الناشط محمد جودة.

صاحب المركز سمير المسحال عبر عن ألمه لما أصاب المقر على "فايسبوك" واعداً بإعادة بناء المركز "أشعر بوجع لن يشعر به أحد فقد بنيت هذا المكان بكل مافيه بالثواني والدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين، والعمل على بناء العلاقات بين المؤسسة والفرق والمجموعات الشبابية والمسرحية وفرق الدبكة وفرق الأطفال والعلاقة بين المؤسسة والمؤسسات والاتحادات المختلفة.. سنين ونحن نبني ونتشارك ونفتح أبوابنا لنبني الأمل والفرح والحب لنبنى ثقافة الحياة…".

وشكر المسحال الداعمين في رسالته "يواسيني في هذه اللحظات ذلك الحب الذي لم أكن أعلم بأني زرعته في كل أرجاء قطاعنا الحبيب لينبت وينتشر… قرأت وشاهدت ذلك الحب... ذلك الحزن على بيت احتضن أفراح وآمال وساعات من أشكال الحياة الثقافية المختلفة في المسرح والسينما والنشاطات المختلفة الترفيهية وغيرها… لم أكن أعرف إلى هذه الدرجة يعشقون المكان ويعتبرونه بيتهم الثاني بل الأول… شكراً لكم حبكم الذي سيدفعني معكم للعمل من أجل استنهاض كل ما فينا لإعادة الحياة لبيتنا".

مساحة للفرح والحياة

منذ إنشائه عام 2004 كان المركز بيتاً للفنون على أنواعها كافة ومساحة للمعارض وحاضناً للمواهب الفنية في غزة. ويضم المركز مركز تأهيل للأطفال الذي تضرروا نفسياً وجسدياً من الحرب. وفيه أنشئت أول مدرسة لرقصة الدبكة التراثية التي تضم 250 طفلاً.

حملة التضامن توسعت ووجدت صداها لدى مخرجين وكتاب بريطانيين. وفي بيان نشرته صحيفة "غارديان" أعربت 14 شخصية فنية ضمت كتاباً مسرحيين ومخرجين بارزين، بينهم مايك بارتليت، وفيكي فيذرستون، وكارييل تشرشل وروفوس نوريس، عن الغضب الشديد والألم العميق لأصدقائهم وزملائهم الفلسطينيين.

وأبدوا تضامنهم مع زملائهم المسرحيين والفنانين الفلسطينيين الذين تعاونوا معهم سابقاً في أعمال فنية في غزة، وأدانوا محو أحد أهم المراكز الفنية الذي يعد رمزاً للفن الفلسطيني وأحد أعمدة الثقافة الذي شهد على فعاليات فنية من مسرحيات وحفلات موسيقية.

وكما وعد مدير المركز سمير المسحال، وعد الفنانون البريطانيون أيضاً في بيانهم بدعم الجهود الهادفة إلى إعادة إعمار المركز، لاستعادة النشاط الثقافي في غزة، مطالبين المجتمع الدولي بوقف التصعيد الإسرائيلي الدموي وحماية المدنيين والمراكز المدنية والصروح الثقافية وفق ما نص عليه القانون الدولي..

لمزيد من الحراك الفني

الفن والثقافة يؤرقان العدو أي عدو كان، هذا ما لمسته الفنانة رنا بشارة التي كتبت على "فايسبوك" "بالأمس القريب دمار قرية الفنون والحرف واليوم مكرز سعيد المسحال للثقافة والفنون بمدينة غزة يدمر تدمير كامل وهذا مؤشر خطير وتطور في عملية استهداف الحياة الثقافية في غزة. يبدو أن الفن أصبح مزعجا للإسرائيليين بك هم أعداء لكل ما هو جميل في حياتنا وهم من يرعبون ويقتلون ويسحقون الحياة في غزة". وأضافت "الدور أصبح كبير بل أصبح عبء علينا نحن من يعمل في مجال الفنون والثقافة ومن واجبنا التصدي لو بأبسط السبل فمزيد من الحراك الفني والثقافي طالما أنه يؤثر على هؤلاء المجرمين".

الوزير الشاعر إيهاب بسيسو قال في كلمة نشرها على "فايسبوك" كان ألقاها خلال مهرجان رام الله الشعري "استهدف طائرات الاحتلال مبنى مؤسسة سعيد المسحال للثقافة والفنون في غزة وقبلها مبنى المكتبة الوطنية قيد الإنشاء في غزة وقرية الحرف والفنون. وقبلهم تاريخ طويل من محاولات اغتيال الثقافة الفلسطينية والكلمة والروح التي تصنع من الماء والملح خبزاً يومياً ولا تستسلم..". واعتبر أن "مد الجسور الثقافية وتعزيز حضورها في الفعل الإبداعي الفلسطيني والدولي يقاوم منهج الإبادة والمحو والنفي الممنهج ويصنع بديلاً ممكناً لحياة تدرك قيمة الانسان في أن يكون صامداً وقادراً على الحياة والانتصار لحق الانسان في الحرية والمستقبل..".

"لأن صراعنا وجودي فهو متعدد الأوجه ولكن المعركة الثقافية هي من أهم وأفضل المعارك لأنها تتعلق بالرواية التاريخية وعدالة قضيتنا لكنها لن تكون كذلك إذا لم تكن مترافقة مع صراع حقيقي على كافة الصعد مع هذا العدو الغاشم".. يكتب جواد عقل على "تويتر". لن يستسلم محبو الفن للموت ولآلة القتل وما تم هدمه سيعاد بنائه، هذا ما أكده  بسام البوجي "مهما يدمر... برجع يتعمر، وسيتعمر بسواعد كل الناس المنتمين لشعبهم ووطنهم وهم كثر، وليبقى هذا المسرح الوطني الشامخ شوكة في حلق أعداء البشرية والإنسانية".

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية