الركود يضرب سوق الذهب في غزة

الأربعاء، 18 يوليو 2018 ( 10:58 ص - بتوقيت UTC )

لتدخل التاريخ من أحد أبوابه عليك أن تمر من سوق الذهب، المسمى بـ"القيسارية" وسط مدينة غزة، ذلك الشارع الطويل الضيق الذي يأخذ طراز بنائه شكل أقواس من الأعلى، وتتراص فيه محال الذهب.

ويعتبر سوق "القيسارية"، أحد أهم المعالم الأثرية والتاريخية في قطاع غزة، وتعود جذوره إلى ثلاثة آلاف سنة، حيث بُني في عهد الملكة هيلانة، كما أنه لم يكن سوقاً للذهب وإنما كان إسطبلاً للخيول.

يقول الصائغ عادل طبازة في تصريحات صحافية سابقة إن "هذا السوق قديم جداً ولم يكن سوقاً. هذه القيسارية، وكانت القيسارية تابعة لقصر الملكة هيلانة، وقبل الملكة هيلانة كان المكان عبارة عن معبد (بديل الشمس)، والقيسارية في عهد الملكة هيلانة كانت مكان لإيواء الخيل، وكل محل من محال الذهب في السوق كان مكاناً لأحد الخيول الخاصة بالملكة".

وسُمي سوق الذهب بـ"القيسارية" نسبة إلى "قيساريات" وهي أحد أشكال المنشآت التجارية الحرفية القديمة التي عرفت في العصر الروماني. ونشر وليد، عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، صورة لسوق "القيسارية" قديماً، وعلق عليها بالقول "صورة نادرة لسوق القيسارية (سوق الذهب)، والجامع العمري بغزة 1962".

وتعاقب على سوق "القيسارية" تاريخ قديم وحديث، فقد كان إسطبلاً لخيول الرحالة الذين كانوا يقصدون هذا المكان للصلاة في الكنيسة الملاصقة للسوق، والتي تحولت اليوم إلى ما يُعرف بـ"المسجد العمري"، ثم ضم السوق مكاناً لدباغة الجلود وبيع النحاس، حتى أصبح مع مرور الزمن سوقاً لبيع وشراء الذهب.

ذهب براق وواقع أليم

سوق "القيسارية" لا زال يحمل إرثاً قيماً يعتز به سكان قطاع غزة، لكنه يخفي خلف ملامحه البراقة واقعاً لا يسر الناظرين. وتزامن الارتفاع العالمي في أسعار الذهب مع أوضاع غزة السياسية والاقتصادية وقيود الاحتلال، ما عكس حالة البيع والشراء في السوق من الرواج إلى الكساد، وهذا ما كبد الصاغة منذ أكثر من 10 أعوام خسائر كبيرة، ودفع غالبية الناس لبيع ما اكتنزوه من ذهب كمخرج أخير من حالة الفقر التي يعيشونها.

ويتابع الصائغ طبازة "المشترون قليلون جداً في السوق وهم على الأغلب عرسان يتجهزون للزواج لأن للفتيات في قطاع غزة قيمة اجتماعية تزيد وتنقص بمقدار ما تحمل أجسادهن من جرامات الذهب في ليلة الزواج". ونشرت صفحة "راديو كلاكيت" عبر موقع "تويتر" قائلة "سوق الذهب في قطاع غزة طبعاً يدخله الشاب مرتين؛ الأولى يشتري ذهب لما قبل العرس، والثانية ليبيع الذهب بعد الزواج".

وأجبرت الاستثنائية المتسيدة للمشهد العام في قطاع غزة الكثير من العرسان للاكتفاء بالقليل من الذهب أو شراء ما يعرف بالذهب الصيني، فيما دفعت الظروف آخرين لبيع ما لديهم من حلي ليتمكنوا من تعليم أبنائهم أو توفير مأوى لهم.

ولم تتغير القيمة التراثية والتاريخية لسوق "القيسارية" على مر العصور، لكن القوة الاقتصادية والتجارية تشهد كساداً لا مثيل له، فلدى الصاغة في السوق الكثير من الذهب ووقت الفراغ، والقليل من النقود والزبائن. والحفاظ على القيمة التاريخية للسوق لا تتوقف فقط عند اعتناء الجهات المعنية بأصله المعماري وتوعية الناس بأهمية حفظ مكانته التراثية في وجدانهم، فالتحدي الأكبر يكمن في دعم مكانته وقوته الاقتصادية كأساس لبقائه.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية