مقهى "الهموز" أصالة الماضي وعبق التاريخ

الجمعة، 13 يوليو 2018 ( 01:39 م - بتوقيت UTC )

على رغم أن التغيرات الشكلية والتطورات التي طرأت على المقاهي الشعبية في معظم الدول العربية، من شاشات عملاقة لنقل المباريات وصولاً إلى مشروبات حديثة تنافس الشاي والقهوة التركية والنارجيلة، نجد أن مقهى "الهموز" في نابلس بفلسطين ظلّ كما هو، محافظاً على أصالة الماضي وعبق التاريخ بين زواياه القديمة.

يُعدّ مقهى "الهموز" من المقاهي القديمة والعريقة، حيث أُنشىء إبان العهد العثماني وتحديداً في العام 1892، ما يعني أنه مرّ على إنشائه نحو قرن وربع القرن، لكنه لايزال صامداً حتى يومنا هذا.

المقهى حافظ على طابعه منذ تأسيسه، ويمكن ملاحظة ذلك من بواباته التي تعود إلى العهد العثماني، والهلال الذي يعلوها، وهو ذاته المرسوم على العلم التركي، إضافة إلى تفاصيل المكان، وصور زواره من نجوم الفن والثقافة، وكراسيه العتيقة، والراديو القديم المعلق على الحائط، إضافة إلى ذاكرة المكان التي تحكي عن شخوص ووقائع تُثبت بأن هذا المقهى ظلّ وفياً للحقبة التي نشأ فيها.

حتى أن "الركوة" النحاسية التي تُعد فيها القهوة التركية صامدة إلى اليوم، وتقدم للزوار من مختلف الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية، وهي ذات "الركوة" التي كان الشعراء والأدباء الكبار يحتسون فيها قهوتهم أمثال أكرم زعيتر وإبراهيم طوقان وغيرهم.

لم يكن "الهموز" مقهى لاحتساء الشاي والقهوة وشرب النارجيلة وتبادل أطراف الحديث فقط، بل كان معلماً ثقافياً ومسرحاً جمع عدداً من الفنانين على خشبته أمثال محمد عبدالوهاب وغيره، إذ تقول بعض الشهادات الشفوية لمن عاصروا مجد هذا المكان، إنه المقهى الذي غنت فيه الراحلة أم كلثوم "يا بدر اختفي"، وإنه كذلك كان معشوق أسمهان وشقيقها فريد الأطرش، إلا أن السيدة فيروز لم تغنِ فيه أثناء زيارتها لمدينة نابلس، كما ذكرت بعض الروايات.

للمقهى أيضاً باع طويل في النضال الفلسطيني، حيث تشكلت فيه أولى قواعد اللجنة العربية العليا لمتابعة الإضراب في العام 1936 والتي كانت بقيادة أمين الحسيني، وتعرض المقهى للإغلاق لعدة شهور إبان الانتداب البريطاني وتحول إلى ثكنة عسكرية، حسب ما أفاد به أحد أصحاب المقهى أيمن الهموز، لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية، فضلاً عن أن المقهى كان وما زال ملتقى لجميع شرائح المجتمع، ففيه تنظم ندوات ثقافية وفنية.

وقديماً امتد الأمر إلى اتخاذه كمقر لتدريس طلبة جامعة النجاح، خلال حصارها وإغلاقها لعدة شهور في العام 1988 أثناء اندلاع انتفاضة الحجارة، بحسب مركز الإعلام والمعلومات الفلسطيني، ووفق روايات بعض الكُتاب الفلسطينين، فإن المقهى هو ثاني أقدم المقاهي في فلسطين، ومرت عليه حقب عدة بدءاً من العهد التركي مروراً بالإنكليزي، ثم العهد الأردني، والاحتلال الإسرائيلي، حتى قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث كان الرئيس الراحل ياسر عرفات أحد رواده.

الوريقات الخضراء اليانعة المتدلية من شجرة العنب أو كما تُعرف بـ"الدالية"، وسط ساحة المقهى الخارجية، والغرفة المغلقة بجانب الساحة، والتي اعتاد أن يجلس فيها بعض المسنين للعب ورق الشدّة وتدخين التمباك، ستدلك على ذاك المقهى العريق الواقع في وسط المدينة، والذي ما زال يحمل علاقة وجدانية بينه وبين أهالي مدينة نابلس، حيث يُطلّ من كافة زواياه على قِدم هذا المكان بعيداً عن أي شكل من أشكال التكنولوجيا الحديثة.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية