انسانية "حليمة" المهدرة في دارفور تحاكم العالم

السبت، 30 يونيو 2018 ( 08:25 م - بتوقيت UTC )

"تمضي حياتنا لكن ليس كما نريد، بل إنها لم تعد كما كانت، ولولا الحرب لكنت الآن في منزلي وحولي أطفالي وأهلي". هكذا تقول حليمة التي عاشت حياة عزيزة وكريمة بفعل ثراء العائلة حتى شردتها الحرب وانتهى بها المطاف نازحة في أحد المعسكرات.

في إقليم دارفور  غرب السودان حيث انقلبت الحياة رأساً على عقب تمثل حليمة صورة النساء اللواتي أنهكت حياتهم الحرب، وخلفت جراح ومآسي لا تزال آثارها مستمرة على رغم انتهاء الحرب. من حياة الدفء بين العائلة حيث لقمة العيش مؤمنة، إلى ذل النزوح ومآسيه روت حليمة قصتها لمجلة الصليب الأحمر الدولي في عددها الأخير. تحكي كيف تقاوم للحفاظ على حياتها وحياة أبنائها.

حليمة هي إبنة أحد التجار ميسوري الحال، وتزوجت منذ 20 عاماً زواجاً تقليدياً تحول إلى علاقة حب واحترام بينها وبين زوجها الذي أحاطها بالاهتمام، وأنجبت منه أولادها.

وفي ليلة ظلماء أيقظت أصوات الرصاص حليمة وعائلتها، وتساقط اللهب في غمضة عين على سطح المنزل، وهامت على وجهها لتمضي بعيداً بعيداً عن الهجوم إلى أن تخبو أصوات المدافع وليتوقف الهجوم على قريتها، لكن لم يخفت صوت الرصاص ولم ترى قريتها مجدداً لتكتشف بعد سنوات أنها لعنة الحرب، التي ألقتها بعيداً عن بيتها وقريتها وخسرت زوجها وأحد أبنائها.

معسكر اللجوء

"كانت لحظات قاسية، كان علينا التفكير فقط بالنجاة بأنفسنا، بيوتنا نهبت وكذلك أرزاقنا، ولم يعد لدينا ما نلتجئ إليه". تقول حليمة التي قررت عدم الاستسلام للقدر، والدفاع عن أطفالها فهامت على وجهها وهي تجرهم خلفها إلى أن وجدت مَوطِئ قدم في واقع جديد، وجغرافيا مختلفة تتكدس فيها الآلاف من الكتل البشرية، اصطلح الساسة على تسميته بـ"معسكر النزوح".

خلال رحلتها إلى معسكر اللجوء، خسرت حليمة زوجها أحمد.. "لم يكن له مطامع شخصية، لكنه خرج للدفاع عن أرضه وللثأر ممن أحرقوا قريته وشردوا أسرته". تقول حليمة: "وخرج أحمد ليشارك في محرقة الحرب التي اندلعت في إقليم دارفور في شباط (فبراير) من العام 2003، التي خلفت آلاف القتلى والجرحى، وملايين النازحين، وآلافاً من طالبي اللجوء".

الانهيار الممنوع

رفضت حليمة أن تنهار إثر فقدان زوجها، وقررت الوقوف سداً في وجه الصعاب لتنجو بأطفالها السبعة. لكن حياة المعسكر كانت أيضاً قاسية لا ترحم.. "المعسكر لم يعد آمنًا لي ولأطفالي. وخروجي للعمل نهاراً يجعلني قلقة على مصيرهم. هناك نقص في العلاج، وصعوبة في التعليم. في قريتنا قبل تدميرها كانت الخدمات متاحة، والمركز الصحي يقدم الخدمات التي نحتاجها".

وتروي يومياتها المرة قائلة: "أخرج صباحاً إلى المدينة، أطرق أبواب المنازل بحثاً عن عمل، أقضي النهار في أحد المنازل أغسل الملابس أو أقوم بأعمال النظافة، لأعود لأطفالي في المساء مُنهكة القوى، لكن على الأقل أحمل لقمة تسد جوعهم. في إحدى المرات تعرضت ابنتي الكبرى للتحرش من أحد سكان المعسكر، يومها قررت أن لا أظل هنا بقية حياتي".

وهو ما حدث بالفعل، حيث حملت حليمة أولادها وانطلقت نحو الخرطوم، وواجهت صعوبات كثيرة في الطريق، من العطش إلى قطاع الطرق، وكلفتها الطريق خسارة طفلها أصغر أبنائها ولم يكن هو الوحيد الذي فقد على طريق النزوح فقد كانوا في كل مسافة من المسافات الشاسعة يتساقط واحد من الهاربين من معسكرات النزوح.

تقول: "لم أرد الموت أنا وأطفالي فتحملت ولم أبك إبني الذي فقدته كان يجب أن يعيش الباقون". ويرافقها بأسها وشجاعتها وصلت حليمة إلى الخرطوم حيث استقبلها أحد أقربائها، وهي اليوم تعمل ويساعدها في العمل أكبر أولادها، وأمنت التعليم للصغار الباقين.

لعنة الحرب

قصة حليمة تكشف ما لحرب دارفور من كلفة عالية إنسانياً واقتصادياً، علماً بأن السودان أنفق على النزاع في دارفور أكثر من 25 بليون دولار وهو ما يعادل 162 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي منذ اندلاع النزاع. وصرفت هذه الأموال فيما يرتفع عدد الجوعى والمحرومين بشكل قياسي.

يقول خبير الاقتصاد، كمال عثمان في تقرير للصليب الأحمر الدولي: "إنفاق الدولة على الخدمات لم ينتشل المواطن من دائرة الفقر. على مدار عقدين وجهت الدولة أقل من 1.3 في المئة من ميزانيتها إلى الصحة العامة و1.2 في المئة للتعليم، لكنها في المقابل خصصت قرابة ثلث الميزانية السنوية أي ما يعادل 32 في المئة على الإنفاق العسكري في سنوات الحرب في دارفور". 

ويشير إلى الكلفة العالية للحرب التي تخطت سبعة بلايين دولار في صورة خسائر في الإنتاجية بسبب فقد النازحين أراضيهم داخل دارفور، وأكثر من بليوني دولار في صورة خسائر في المدخرات الحياتية فقدها القتلى، علاوة على أربعة بلايين دولار خسائر تمثل الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية. ناهيك عن آلاف القتلى، يمثلون ثروة بشرية أُهدرت بسبب النزاع.

قصة حليمة عن الإنسانية المهدرة في الحرب تمثل ما حدث مع آلاف السودانيين الذين لا يزالون يعانون من آثار الحرب حتى اليوم.

 
(1)

النقد

 تحية طيبة،،

لديّ بعض الملاحظات بخصوص المقال من المهم  تصحيحها حتى يتكامل الموضوع..

 جاء في المقال أن اقليم دارفور في (جنوب السودان) ، والصحيح أن الإقليم المذكور يقع في غرب السودان.
هناك خطأ طباعي في فقرة

"وهو احدث بالفعل ...... " حيث نجد أنّ حرف الزاي في كلمة (النززوح) مكرر

اخيراً.. تعديل طباعي آخر.. في فقرة
"يقول خبير الاقتصاد، كمال عثمان في تقرير للصليب (الأخمر) ..." بدلا من الأحمر.

  • 30
  • 21

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية