"اللاوا" .. مستودع هوية في جنوب السودان

السبت، 30 يونيو 2018 ( 04:02 ص - بتوقيت UTC )

عندما بلغت جيهان العاشرة من العمر بدأت والدتها ميري في تعليمها كيفية لف وتثبيت اللباس الشعبي الأشهر في جنوب السودان والمعروف باسم "اللاوا"، وهو عبارة عن أقمشة مختلفة الألوان والمقاسات والتصاميم تتوشح بها المرأة في دولة الجنوب، وللرجال منها أصناف خاصة تُستخدم باعتبارها ثقافة متوارثة وتراث ابتدعه الأسلاف وصار عنواناً بارزاً يميز شعب الجنوب عن غيره من الأمم.

لم تمر سوى أسابيع معدودة حتى احترفت الصبية الناشئة فن لباس "اللاوا" ولم تعد تطيق مفارقته، وأضافت إليه بعض اللمسات الجمالية المواكبة لمتطلبات جيل جديد يحتفظ بثقافة الأصول ويمزجها بما يحلو له من لمسات عصرية، إذ أضافوا إلى ربطة "اللاوا" فوق كتفها بعض البلابل التي تستخدمها الفتيات عادة للتزيين، ما أكسبه مشهداً مختلفاً، فصار "لاوا" بنمط عصري مبتكر.

اشتهرت قبائل "الشُلُك" بارتداء "اللاوا"، وسبقت شعوب الجنوب الأخرى في استخدامه بفترات طويلة، وما يزال قادتها يحتفظون ببعض الطقوس التي تخصهم، إلا أنّ استخدامه اليوم لم يعد يقتصر على مجموعة إثنية أو سكانية بعينها، فهو لباس يرسم هوية قبائل جنوب السودان مجتمعة، خصوصاً القبائل النيلية التي تقطن في الشريط الشمالي من دولة جنوب السودان.

ثقافة راسخة

تختلف طرق ارتداء "اللاوا" وألوانه بحسب الجنس وطبيعة المناسبة والمكانة الاجتماعية للأفراد، ومن المظاهر الثابتة أنّه يتكون من قطعة قماش مزركشة أو ذات لون موحد، ويحدد مقاسها بحسب طول وحجم من يرتديها، وتميل النساء والفتيات غير المتزوجات إلى استخدام الألوان المزركشة، في حين يكتفي الرجال بالألوان غير المنقوشة، ويفضل كبار السن والأمراء اللونين الأحمر الفاتح والبنفسجي. أما ملوك قبائل "الشُلُك" الذين يمثلون الزعماء الروحيين والقادة السياسيين لدى أفرادهم، وفقاً للنظام القبلي المتبع، فيرتدون "لاوا" أبيض اللون، ولا يحق لغيرهم ارتداء هذا اللون داخل التنظيم القبلي، وتعود الحكمة في ذلك التمييز للإشارة إلى الرفعة والمكانة المقدسة في قمة الهرم القبلي والرمزية إلى السلام والوئام.

ربما البيئة الاستوائية القاسية في دولة جنوب السودان أثرت في تحديد طريقة ربط عقدة تثبيت "اللاوا" ووضعت فارق كبير بين النساء والرجال، حيث يُربط "اللاوا" أعلى الكتف اليسرى بالنسبة للذكور، وهو ما يدل على أن الرجال عادة في حالة استنفار واستعداد لخوض الحروب والشجار وما يتبعها من كر وفر، ما يسمح لهم بحرية الحركة للذراع اليمنى التي تعينهم في مقارعة الخصوم. في المقابل تقوم النساء بربط العقدة من جهة اليمين، وتتولى عملية ربط العقدة للرجال المقاتلين.

نقطة تحوُّل

"يبدو أنّه تم تبني اللاوا من قبل مختلف مجتمعات الجنوب كواحدة من الرموز التي تعبّر عن الأمة، ولا عجب في ذلك، لأنّ "اللاوا" تطور طبيعي لزي الإنسان الافريقي في الأطوار الأولى من نشأته، حيث يمكن العثور على أسلافه في الثقافة المادية لمختلف شعوب القارة الأفريقية"، هذا حديث للباحث الجنوبي بوي جون يشير إلى ملامح تحوُّل "اللاوا" إلى لبس قومي في الجنوب، كما يقدم أطروحة تاريخية في ما يتعلق بالجذور الإفريقية لـ"لاوا" بوصفه من الأزياء التي عرفتها بعض المجموعات مبكراً، على رغم أن استخدامه زاد في الوقت الراهن في غالبية المناسبات ومراسم الأفراح وتقديمه كهدايا، حتى صار علامة تميّز الإنسان الجنوبي عن بقية الأفارقة.

ads

 
(2)

النقد

نحن روحان حللنا بدنا

منقو قل لاعاش من يفصلنا

  • 13
  • 10

موضوع جميل

  • 8
  • 21

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية