لماذا يزور التونسيون القيروان أواخر رمضان؟

الثلاثاء، 21 مايو 2019 ( 11:00 م - بتوقيت UTC )

طبعا لا يمكن القدوم إلى تونس من دون إلقاء نظرة على عاصمة الأغالبة "القيروان". صحيح أن المدينة صغيرة الحجم من حيث المساحة المعمارية والمعالم السياحية، لكنها المدينة الأغنى في تونس ـ وربما بالمغرب العربي ـ بأهم الرموز الدينية والثقافية التي لا تزال تهيمن على المهجة الدينية والروحية للتونسيين والمغاربة. ويفضل أهل تونس زيارتها وإمضاء ليلة السابع والعشرين من رمضان في رحابها، إما في باحة جامع عقبة ابن نافع أو في أزقة مدينتها العتيقة ومدارسها العلمية القديمة.

يصل الزائر إلى مدينة القيروان عادة في الساعات الأولى لفترة ما بعد الظهر حسب تصريحات المرشد السياحي والتاريخي رمزي القهواجي الذي يعمل في متحف "رقادة" لصحيفة "المغرب" التونسية، وعلى رغم حرارة الطقس، إلا أن الزائرين يحبذون أولا التوجه إلى هذا المتحف الذي يبعد حوالي 10 كيلو مترات جنوب غرب القيروان للاطلاع على أهم الآثار الإسلامية بالمدينة وبالأخص "المصحف الأزرق".

والمصحف الأزرق هو نسخة من القرآن مكتوبة بالخط الكوفي المذهّب على الورق الأزرق النادر. ويعود المصحف إلى القرن الرابع للهجرة، وتثبت سجلات الجامع الأعظم بالقيروان أن وجوده بمكتبته يعود إلى القرن الخامس. وخلال القرن التاسع عشر للميلاد تم نهب المكتبة وسرقت صفحات عدة منه، نجدها اليوم في مجموعات خاصة لدى بعض الأثرياء، أو في بعض متاحف أوروبا، ولكن أغلب صفحات المصحف محفوظة في متحف رقادة إلى الآن.

تنتهي زيارة متحف رقادة عند اقتراب المساء، أي صلاة المغرب، وحينها يتجهز الزائرون للإفطار في المطاعم الرمضانية قرب الجامع الأعظم، وذلك خصيصا ليتمكن المتدينون من أداء صلاة المغرب في الجامع والعودة إلى مائدة الإفطار سريعا. وجرت العادة أن يكون الإفطار في "فندق القصبة" الذي يعد أحد أقدم الفنادق في شمال أفريقيا حيث كان حصنا مخصصا لإقامة الجنود الوافدين من الشرق العربي لتجديد أجيال المقاتلين والحراس وحرس الحدود في القرن السابع للهجرة، وذلك حسب المؤرخ التونسي أحمد الطويلي في كتابه "الصداق القيرواني".

بعد الإفطار يتجه الزائرون إلى وسط المدينة العتيقة، حيث يجتمع كل الناس، سواء من أهل القيروان أو من غير أهلها، لارتشاف الشاي في مقهى "بئر بروطة". وبئر بروطة هو معلم إسلامي خاص وفريد، حيث يعود اكتشاف هذه البئر إلى كلبة كانت ترافق جنود المسلمين عند القدوم إلى القيروان، وقد أطلقها أصحابها بعد تعطيشها عمدا كي تساعدهم في البحث عن موارد الماء بحاسة شمها، ويروي المؤرخ أحمد الطويلي أن الكلبة قد عادت إلى أصحابها وقد اتسخت ساقها بالطين ففهم الجنود أن نقطة ماء قد تكون قريبة، وبالفعل كانت عين صافية تجري، وفيها بنا الجنود بئرا أطلقوا عليها اسم بئر بروطة نسبة إلى الكلبة، وبنيت القيروان حول تلك البئر.

وآخرون يتجهون إلى جامع عقبة ابن نافع، نسبة إلى القائد الأموي عقبة بن نافع الذي بنا القيروان سنة 670 للميلاد ثم بنا بعدها الجامع سنة 671. ويعتبر جامع عقبة أول المعالم الإسلامية التي بنيت في المغرب العربي حسب بيانات المؤرخ التونسي هشام جعيط في كتابه "تأسيس المغرب الإسلامي"، ويجتمع فيه المصلون بشكل مستمر خاصة في المناسبات الدينية الكبرى كالعشر الأواخر من شهر رمضان وليلة المولد النبوي. وتبلغ مساحة جامع عقبة حوالي 9700 متر مربع وله سمعة مميزة، وقد بني بحجارة ذات لون خاص وطبيعة خاصة.

وللقيروان سحر خاص، حيث تنتشر المكتبات العتيقة القريبة عموما من مقامات الأولياء الصالحين والتي كانت مدارس لتعليم العلوم الدينية والأدب والشعر، إذ كان القيروانيون يكرمون هؤلاء الأولياء بدفنهم في المدارس نظرا لقداسة العلم واقترانه بالعبادة بالنسبة إليهم. وتحوي تلك المكتبات بشكل خاص على نفائس الكتب القديمة وأمهات الكتب العربية الكلاسيكية، ويأتيها الطبلة والباحثون من أماكن عديدة من العالم للحصول على تلك النسخ الجيدة والمحققة.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية