ما الذي دفع هؤلاء إلى الكتابة؟

الجمعة، 8 يونيو 2018 ( 05:00 م - بتوقيت UTC )

"لم يكن التدوين اليومي على الصفحات من دون عقبات، ولم يخلُ من لحظات الشك والأخطاء والتنقيح. ولكن كان ذلك يحدث دائماً بعمق ومتعة تثلج الصدر، وبالإيمان بأنّه مهما كان مصير الرواية، فإنني سأكون سعيدا بها.. لقد ساعدتني على فهم العالم الذي أعيش فيه بشكل أفضل نسبياً". هذا ما قاله الأديب البريطاني ذو الأصل الياباني كازو إيشيغور الحاصل على جائزة نوبل للأدب العام 2017 متحدثاً عن تجربته الأولى في كتابة رواية "منظر شاحب من التلال" والتي نشرها في 1982.

وردت هذه الشهادة ضمن شهادات أخرى لكتاب وروائيين في كتاب "حياة الكتابة" الصادر أخيراً  في تونس عن دار ماسيكلياني، ويضمّ مقالات ترجمها الكاتب السعودي عبد الله الزماي، لتسعة من الروائيين يستعيدون فيها أثر الكتابة في حياتهم، وهنا سنتطرق إلى البعض من أولئك الكتاب.

أولى الشهادات المشوقة الواردة في الكتاب هي للكاتب المكسيكي فيكتور كوينتانا الذي كان نائباً في البرلمان المكسيكي قبل أن يتفرغ للكتابة بعد حادث وقع له. ويتمثل الحادث في كشف كوينتانا عن قضية فساد تورطت فيها بعض الأسماء النافذة في عالم المخدرات، وقرر هؤلاء اختطافه ثم اغتياله. وتمكن بعض القتلة المأجورين من اختطافه بالفعل وتقييده وأثناء ركله بالرجل قبل إطلاق الرصاص عليه كان القتلة المأجورون يتحدثون عن أن الأمر أشبه بلعبة كرة القدم، وما كان من النائب سوى أن يحدثهم عما قرأه في كتاب إدواردو غاليانو، الكاتب الأورغواني، عله يطيل في عمره بضع دقائق، وكان قصاصاً ماهراً حتى أثناء ضربه بالأرجل، وحينها أعجب الخاطفون بما يرويه فيكتور، حيث يقول راوياً حكايته "لقد قالوا لي أنت الآن في مأمن.. فقط أكمل ما كنت ترويه عن كرة القدم".

الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي أدلت بدورها بشهادتها في سلسلة الشهادات التي جمعها وترجمها السعودي الزماي، وتبدأ بالتأكيد على أن كل كلمة كتبتها كانت حقيقية، وتقول "الأحداث التي لم تقع سابقاً في رواياتي ستحدث بالتأكيد لاحقاً، ولا يمكنني أن أرسم حداً فاصلاً بين الخيال والحقيقة". وترى أن دور الكاتب يتمثل في أن يبقي على الحقيقة المتخيلة، وتدلل الليندي بقصة قصيرة ألهمتها الكتابة أول مرة، وهي للكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو من كتابه "المُعانقات"، يحكي عن عجوز وحيد ظنه اللصوص غنياً فسطوا على بيته، فعثروا  في القبو على صندوق لكن هذا الكنز لم يكن ذهباً إنما مجموعة من رسائل الحب التي تلقاها العجوز طوال مراحل حياته، وبدلاً من التخلص منها قرروا أن يعيدوها إليه عبر البريد لكن بمعدل رسالة واحدة أسبوعياً، وهكذا لم يستعد العجوز رسائله فقط بل استعاد حياته.

وتعتقد إيزابيل الليندي بأنّ ما فعله اللصوص، يشبه ما تسميه بالقيمة العابثة للأدب، أن يأخذوا شيئاً واقعياً وبحيلة سحريّة يحوّلونه إلى شيء جديد تماماً، هذا هو الأدب بالنسبة إليها.

أما أليف شفق الكاتبة التركية فتؤكد أنها قاومت العزلة والوحدة بالقصة، مطالعة وكتابة. وتقول في شهادتها "كنت طفلة وحيدة وحزينة، ومن البوابة الخفية خلف رتابة الحياة اليومية عبرت إلى أرض القصص. في ذلك المكان الغريب لم تكن الأمور مقيدة بقواعد المجتمع، أو بحدود ثقافة الفرد وتقاليده، بل لم تكن مقيدة حتى بقواعد الفيزياء، حيث يمكن للماء أن يتكرر ويمكن للأنهار أن تغير مجراها إن شعرت بالملل من استمرار التدفق في اتجاه واحد محدد. كل شيء في أرض القصص كان ينبض بالحياة، كل شيء مهما بدا صغيراً لديه قصة تستحق أن تروى". وتضيف أنها خارج أرض القصص لم تكن سوى مجرد طفلة خجولة، قاومت عزلتها بالقراءة ثم بالكتابة، وعاشت عمرها كله في أرض الخيال.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية