"القتل الرحيم".. ماذا لو تأخر الموت كثيرا؟

الاثنين، 4 يونيو 2018 ( 09:24 م - بتوقيت UTC )

في بدء الخليقة ارتكب قابيل بن آدم أول جريمة قتل، حين قضى على حياة أخيه هابيل، ومنذ ذلك اليوم كره الإنسان القتل وإفناء الحياة، وغلظت جميع الديانات والعقائد والشرائع السماوية والوضعية عقوبة القاتل، ففي الحديث الشريف "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما" (صحيح البخاري ـ كتاب الديات).

وحددت الأديان والشرائع الأمور التي أبيح فيها القتل، مثل الحرب والقصاص والدفاع عن النفس، وفي ما عدا ذلك تم تحريم القتل ونبذه نهائيا، لكن في القرن العشرين دخل القتل المنطقة النسبية بعد إثارة مسألة "الموت الرحيم"، واختلاف الأطباء والعلماء والفقهاء حولها.

البداية كانت من سويسرا، حين أقر قانون يسمح للمواطنين العاديين وليسوا أطباءً أو مختصين بـ"المساعدة على الانتحار" في العام 1941، تفرَّدَ قانون الاتحاد السويسري العام 1938 في المادة 114 بمعاقبة هذه الحالة كجريمة عادية، وأجاز بالتالي للطبيب المعالج أن يوفر للمريض الذي يعالجه الوسيلة التي تؤمن له القضاء على حياته، دون أن يقوم الطبيب بإجرائها بذاته عن طريق الحقن.

في العام 1961 صدر "قانون الانتحار" في بريطانيا، والذي يجرّم كل من يشجع أو يساعد في انتحار شخص في إنكلترا وويلز بالسجن 14 عاما، وبعد 54 عاما رفض البرلمان البريطاني في أيلول (سبتمبر) 2015 مشروع قانون يُجيز هذه الممارسة، والتي كانت ستمنح الأطباء حق وصف جرعات قاتلة للمرضى البالغين الميؤوس من شفائهم، بطلب منهم بالطبع.

وتجدد هذا الجدل في مطلع أيار (مايو) الماضي، بعدما قرر العالم الأسترالي الأصل ديفيد غودول، البالغ من العمر 104 أعوام، أن ينهي حياته عقب عيد ميلاده الرابع بعد المائة الأولى، عن طريق الارتحال إلى سويسرا ومن ثم الخضوع لعملية قتل رحيم تبع إحدى المؤسسات السويسرية.

والغريب في قصة غودول أنه لا يعاني أي أمراض مزمنة أو لا يرجى شفاؤه منها، لكنه جريا على قول الشاعر العربي القديم زهير بن أبي سُلمى "سئمت تكاليف الحياة ومن يعش .. ثمانين حولا لا أبا لك يسأم" فما بالك بمن تخطى حاجز المائة بأربعة أعوام؟ وهكذا جاء السبب الأغرب بين جميع الحالات السابقة، وهو "كفى حياةً.. لقد سئمت".

وفي السينما والدراما وردت حالات تناقش القضية بالتفصيل، مثل الفيلم الإسباني "البحر من الداخل"، والذي يناقش قصة حقيقية عن الإسباني "رامون سامبيدرو" الذي خاض حملة لمدة 30 عامًا للفوز بالحق في إنهاء حياته، وفي الدراما العربية كان المسلسل الأشهر "أوبرا عايدة"، الذي يناقش قضية قتل ممرضة سكندرية لنحو 23 مريضا مصريا عن طريق الموت الرحيم، وبعد الحكم عليها بالإعدام استطاع محاميها إعادة تكييف القضية من قتل عمد إلى إعطاء عقار غير قاتل بطبعه، لتحصل على البراءة.

أما في الأدب فمسألة الموت قديمة قدم الإنسان، ولعل أكثر رواية تعرضت للموت بشكل مثير للجدل هي رواية الأديب البرتغالي جوزيه ساراماغو "انقطاعات الموت"، والتي قرر في أحداثها الموت (وقد صوره في صورة أنثى) أن يتوقف عن قبض الأرواح، وهو عكس قضية الموت الرحيم تماما، وتأتي المفارقة هنا أنه في ظل ما يرتعب المرضى من حياة مأساوية ممتدة، فماذا لو توقف الموت فجأة، وصار جميع المرضى مجبرين على استكمال حياتهم؟ ولعل هذا يتقاطع بشدة مع الرغبة المرفهة للعالم الأسترالي الذي "سأم الحياة" فقرر أن ينهيها مقتولا بتحريض منه، وسيظل هذا الجدل مفتوحا إلى أن تتفق الإنسانية على إعلاء قيمة الحياة أو ضرورة الموت.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية