أيتام سورية.. واقع مرير ومستقبل مجهول

الاثنين، 4 يونيو 2018 ( 12:23 م - بتوقيت UTC )

يعيش خالد البالغ من العمر عشرة أعوام في مخيم للاجئين في ريف إدلب بسورية. صاحب العينين الرماديتين الواسعتين يبدو هادئاً، ولكن أصدقاءه ومقدمي الرعاية يسمونه "رأس المشاغبين". وعلى رغم هدوئه الغاضب يتحول سلوك خالد أحياناً إلى ردود فعل عنيفة وناقمة كما يجد صعوبة في التأقلم مع الآخرين. خالد هو واحد من الأطفال الذين فقدوا آباءهم في الحرب في سورية.
عندما خطف عناصر في "داعش" والده في إدلب، كانت تلك آخر مرة رأى فيها خالد والده. "أبو خالد خرج من المنزل متجهاً إلى المشاركة في صلاة الجمعة، ثم اختفى"، تقول أم خالد في تقرير لـ"صوت أميركا". 
انتقل خالد ووالدته وشقيقه التوأم (ستة أعوام) من مخيم للاجئين إلى آخر بسبب القصف وضرب المخيمات في المنطقة، إلى أن استقروا في النهاية في مخيم عثمان بن عفان للأيتام واللاجئين، حيث يعيشون حالياً. وقالت والدة خالد "في يوم من الأيام هاجمت الحكومة السورية قريتنا. لقد نجونا"، مشيرةً إلى الرعب الذي عانت منه مع أطفالها.

الناشط السوري عمر عمر، الذي ينظم جولات ترفيهية للأطفال الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين في ريف إدلب، يخبر مندوبي الأمم المتحدة أن المنظمة التي يعمل معها ترعى أكثر من 6000 طفل في المنطقة من الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما. وقال عمر "بعض الأيتام يعيشون مع أفراد الأسرة، مثل الأجداد والأعمام والعمات، بعضهم منفصل عن عائلاتهم، وهم مدعومون من المنظمات الإنسانية".
الواقع مرير، فبمجرد أن منظمة واحدة تعتني بستة آلاف طفل في منطقة جغرافية واحدة، هذا يعني أن العدد الإجمالي للأطفال الذين فقدوا والديهم يمكن أن يكون عشرات الآلاف.

وفي دراسة أجريت عام 2017 ونشرتها منظمة "أنقذوا الأطفال"، وهي منظمة عالمية غير ربحية تعمل من أجل رفاه الأطفال، أفاد حوالي 77 في المئة من البالغين أنهم يعرفون طفلاً توفي أحد والديه أو كليهما معاً في الحرب الأهلية السورية. وقال 18 في المئة منهم أنهم يعرفون أطفالاً "يعيشون بمفردهم" أو "ليس لهم بيت" بحسب التقرير. واضطر البعض منهم إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم وأصبحوا معيلين لعائلاتهم. لكن التقرير لم يتضمن أي رقم فعلي عن العدد الإجمالي للأطفال الأيتام في البلاد.
 

التأثير على التعليم
ووفقاً لمنظمة "أنقذوا الأطفال"، وقع أكثر من 4000 هجوم على المدارس في سورية منذ اندلاع الحرب، ما أثر بشكل خطير على تعليم الأطفال. وحذرت المنظمة من أنه ما لم تُتّخذ إجراءات سريعة، فإن الانقطاع عن التعليم قد تكون له تداعيات خطيرة على المجتمع السوري بعد الحرب، وأن أثر الحرمان من التعليم أسوأ على الأطفال اليتامى، لأنهم يفتقرون إلى التوجيه الأبوي المطلوب.
تقول منار قرة، المديرة العامة لدار أيتام السلام في غازي عنتاب بتركيا، في تقرير لصحيفة "غارديان" البريطانية إن التعليم وعودة الأطفال إلى المدارس يعدّ من الأولويات الرئيسية لإعادة تأهيل الأيتام حتى يتمكنوا من اكتساب الثقة والاعتماد على أنفسهم في غياب أحد الوالدين أو كليهما. وأضافت قرة "نركز أيضاً على تنمية مهارات الأطفال وتمكين الأطفال من اكتشاف أنفسهم ومستقبلهم".
أما الواقع الأشد ألماً فهو ما يعانيه هؤلاء الأطفال من ندوب نفسية لا يمكن محوها بسهولة، وهناك صعوبات في اندماجهم في الحياة العادية. فوفق قرة "أن الأطفال الذين كانوا خارج المدرسة لسنوات لا يمكن السماح لهم بالعودة إلى المدرسة، وخاصة عندما تكون هناك مشاكل نفسية يمكن أن تمنعهم من النجاح في دراستهم ويمكن أن تمثل خطراً في تعاملهم مع الآخرين. لذا قد تكون هناك حاجة إلى الإرشادات العلاجية والتأهيل النفسي والسلوكي".
شهيرة قدور،21 عاماً، يتيمة هي الأخرى، وهي أكبر فتاة تعيش في دار أيتام منذ خمس سنوات، جاءت من محافظة حمص في وسط سورية بعدما فقدت أخواتها ووالديها. كانت الناجية الوحيدة من هجوم على منزل العائلة. وساعدها نشطاء على القدوم إلى ملجأ السلام للأيتام.
في دار الأيتام، تحب شهيرة التقاط الصور وتطمح للعمل مصورة. وتستخدم مؤسسة "سلام الأيتام" العديد من الصور التي تلتقطها شهيرة على صفحاتها الاجتماعية ومواقعها.

مخاوف الاستغلال
الواقع القاتم لأيتام سورية يلقي خوفا من مستقبل مبهم، فالمعاناة التي تركت آثارها على الأطفال عقلياً ونفسياً وحتى جسدياً، تجعلهم عرضة في المستقبل لسلوكيات منحرفة أو عنيفة، وتجعلهم فريسة لمخاطر الاستغلال.
وأبدى خبراء في الأمم المتحدة مخاوفهم حيال المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال بخاصة أولئك الذين لا يجدون من يرعاهم ويهتم بهم ويرشدهم في منعطفات الحياة.
ويلاقيهم في هذه المخاوف النشطاء الذين يتعاملون يومياً مع حالات الإجبار على العمل أو الزواج المبكر أو الخدمة في الجماعات المسلحة. وتقول منار قرة "الطفل لا يعاني فقط من فقدان أحد الوالدين وإنما أيضاً من التشرد والخوف والحرمان". وأضافت قرة أن الأمهات اللواتي تعرضن لصدمات نفسية، اللواتي تعرضن للإيذاء والاعتداء الجنسيين، لا ينبغي تجاهلهن بسبب انهيارهن العاطفي وردود فعلهن تجاه أطفالهن. التأثيرات السلبية تحيط بالأطفال من كل جانب".

انعدام الأمن والأمان وغياب الرعاية الاجتماعية والنفسية والسلوكية بالنسبة لأطفال سورية تجعل منهم قنبلة اجتماعية موقوتة قد تنفجر في المستقبل.  والمطلوب بحسب الخبراء بخلاف الأعمال الإغاثية هو تضافر المجتمع الدولي مع الجهود المحلية لرعاية هؤلاء وعالجتهم وتأهيلهم لعيش طفولة طبيعية وليصبحوا أشخاصاً فاعلين في المستقبل.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية