مدفع رمضان في بيروت .. طلقات تدوّي في الذاكرة

الأربعاء، 15 مايو 2019 ( 02:00 م - بتوقيت UTC )

في بلد شهد الحروب والاقتتال، يكره جميع ساكنيه المدافع على أنواعها، باستثناء مدفع رمضان، الذي يحمل إلى اللبنانيين بُشرى التماس هلال الشهر الفضيل، ثم يُعلمهم بمواعيد الإمساك والإفطار على مدى 30 يوماً، ولاحقاً يُدخل إلى قلوبهم الفرح والسرور بزفّ خبر حلول العيد.

"البيارتة" تحديداً لهم مع مدفع رمضان تاريخ مشترك لا يقتصر على الجانب الإيماني في حياة المدينة، بل يُبرز ما مرّ عليها على مدى قرنين من الزمن تقريباً، اجتماعياً وسياسياً. وإذا ما اعتُبر هذا المدفع إطاراً مفتوحاً بين ماضٍ معروف ومستقبل مفتوح على خيارات الأجيال بالحفاظ على إرث الأجداد أو تبديده، فما بين ما كان وما سيكون الكثير عن حكايا السلف منذ طلقة المدفع الأولى، مروراً بعاداتهم في شهر الخير، وصولاً حتى خروج المدفع من إطار الحاجة إلى خانة الذكريات.

أرشيف مفتوح

الحديث عن الظهور الأول لمدفع رمضان في بيروت يُعيدنا إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر. وهنا تتداعى صورة بيروت القديمة. بيروت القرية التي لم يعرف قاطنوها أن عددهم سيبلغ المليون بعد قرنين من الزمن. وفي عهد العثمانيين الذين حكموا البلاد لنحو 400 عامٍ، (عهد إبراهيم باشا تحديداً)، وُضع المدفع على عربة يجرّها دولابان واختيرت إحدى روابي المدينة موقعاً له. وبحسب موقع "يا بيروت" المختصّ بشؤون العاصمة التاريخية ـ الاجتماعية، فإن قذيفته "كانت عبارة عن حشوة قماش كتّان محشوة بالبارود ومتصّلة بكبسولة يضعها الجندي في المدفع ويطلقها بواسطة حبل رفيع".

وبحسب المتناقل، فإن من أشرف على إطلاق هذه القذيفة في البدء كان أحد أبناء بيروت ولُقّب بـ "الميقاتي"، وهذا اللقب تحوّل بحكم الوراثة إلى كُنية تُعرف بها إحدى العائلات البارزة في بيروت وطرابلس، التي نُصب عند إحدى نوافذ قلعتها مدفع آخر. ووفق الموقع نفسه، فإن بُشرى حلول رمضان، كانت تنتشر من خلال "واحد وعشرين طلقة"، يتبادل بعد سماعها البيروتيون التهاني ببدء رمضان. 

بأفول عهد العثمانيين، تبدّلت "إدارة" المدفع وتغيّر مطلقوه، لكن ظل دوره واحداً. فمع الانتداب الفرنسي، تولّى جندي متقاعد مهمة إشعال الفتيل، وبعد العام 1935 نُقل المدفع إلى منطقة تلة الخياط باعتبارها تلة مرتفعة وعلى مقربة من الأحياء الإسلامية في المدينة، وأطلقه حينها أحد جنود جيش الشرق قبل الاستقلال، وبعده الجيش اللبناني. وفي وقت لاحق، انتقل المدفع إلى أحياء بيروتية أخرى كان آخرها منطقة السفارة الكويتية، ووُجّهت فيها فوّهة المدفع نحو البحر.

ذكريات وحنين

بحسب ما يقول العديد من كبار السن في العاصمة، كان للمدفع صوت قوي يُدوّي في المدينة. ويشرحون أن بيروت كانت أصغر مساحةً وأقل سكاناً. وأنهم كانوا، قبل دخول الراديو والتلفزيون إلى كل بيت، يتكّلون على المدفع لتعلمهم بمواعيد بدء شعائرهم الدينية وانتهائها. وأنهم ما كانوا بحاجة إلى الإنصات لسماعه، في غياب الضوضاء والضجيج اللذان ظهرا نتيجة الازدحام، إذ كان صوتهم قوياً جداً.

عن مصير المدفع اليوم، يتساءل الكثيرون عمّا إذا كان ما زال موجوداً أصلاً. بعضهم يتحدّث عن ذكرياتهم معه خلال تواجده على تلة زريق (في الطريق الجديدة)، وينقلون ما عاشوه أو سمعوه عن فترة وجوده في تلة الخياط، ليُشيروا إلى أنهم يعرفون اليوم المدفع من خلال شاشة التليفزيون قبل ثوان من ارتفاع صوت آذان المغرب، ولا يعلمون ما إذا كان البث مباشراً أم مسجّلاً من الأرشيف فيكون عرضه من باب الحفاظ على التراث ليس إلا.

على وسائل التواصل الإجتماعي، لمدفع رمضان حضوره أيضاً، وتتوسّع في الحيّز الافتراضي الدائرة لتشمل كل المناطق التي عاصرت المدافع الرمضانية محلياً كطرابلس وصيدا، فيختلط في سياق الحنين استذكار الأيام الحلوة مع المزاح، خصوصاً في التغريدات التي تزامنت مع أحداث أمنية شهدها لبنان في الأعوام السابقة لجهة التحذير من عدم الإفطار على صوت الإنفجار سهواً.

منير يعود بالذاكرة من خلال تغريدته إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975، فيُشير إلى أن المدفع في ذلك الحين كان يُطلق من تلة الخياط، مستعيداً شريط الذكريات للأجواء العائلية خلال الشهر الفضيل. وكتب عبدالمولى: "خلال رمضان، كنّا مجموعة صبية، من عمر الشقاوة والمراهقة، نتحلق بجوار قلعة صيدا البرية، فترة وجيزة، نراقب إطلاق مدفع رمضان، ثم نعود إلى منازلنا، وغداً يوم آخر". أما عمر فقارب الحاضر من بوابة الماضي، مؤكداً أنه "على رغم أن مدفع رمضان بات أمراً رمزياً اليوم، لكن ذلك لا يلغي أثره في نفوسنا، ولا يأتي على كونه من تراث رمضان وتقاليده الجميلة".

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية