مائدة الرحمن.. أزمات الاقتصاد تهدد ملجأ الفقراء

السبت، 19 مايو 2018 ( 08:37 ص - بتوقيت UTC )

بينما ترجع الروايات التاريخية أصل موائد الرحمن في مصر إلى الدولة الطولونية، ومؤسسها أحمد بن طولون، بعد إعداده وليمة كبرى للتجار والأعيان في أول أيام شهر رمضان، مع فتح منازلهم، ومد موائدهم لإطعام الفقراء، تتضارب أقوال المؤرخين ما بين أن أول مائدة تعود إلى عهد هارون الرشيد، وآخر يشير إلى أنها بدأت في زمن الليث بن سعد، الذي كان فقيهاً ولديه أموالاً كثيرة.

"أصل موائد الرحمن، يرجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في عهد الفاطميين، وكان يطلق عليها "سماط الخليفة".. وذلك بحسب خبير الآثار المصري، الدكتور عبدالرحيم ريحان. ومائدة الرحمن، عبارة عن مائدة إفطار يقيمها أحد الأشخاص في أيام شهر رمضان، لمساعدة الفقراء والمساكين، وكذلك لكل عابر سبيل يصادف مروره وقت الإفطار.

المائدة تعاني

وخلال السنوات الماضية، تعرضت موائد الرحمن في مصر، إلى الكثير من الأزمات المختلفة، أبرزها ارتفاع الأسعار، والذي بدوره أدى إلى انخفاض أعداد الموائد على مستوى الجمهورية، بعدما كان لا يخلو أحد الشوارع من مائدتين على الأقل، أصبحت مناطق كاملة تخلو من أي مائدة.

ولعل ما يشير إلى انخفاض أعداد الموائد في مصر، ما أعلنته شعبة الفراشة بغرفة تجارة وصناعة القاهرة العام 2017، عن الانخفاض المستمر في معدلات الطلب على الفراشة الخاصة بموائد الرحمن، حيث تراجع بنسبة تقرب من 50 في المئة، وهو ما أرجعته إلى ارتفاع أسعار التكلفة، والسلع، والخدمات.

تقرير حديث نشرته وسائل إعلام مصرية حول تأثر موائد الرحمن بارتفاع الأسعار، كشف ارتفاع تكلفة إقامة المائدة الواحدة من 170 ألف جنيه في العام 2016، إلى 240 ألف جنيه العام 2017، بزيادة قدرها 70 ألف جنيه. وانخفضت أعداد موائد الرحمن بنسبة تصل إلى 40 في المئة، بسبب الظروف الاقتصادية التي أعقبت تحرير سعر الصرف.

بينما أرجع عدد كبير من الحريصين على إقامة موائد الرحمن، انخفاض أعدادها إلى ارتفاع الأسعار، خصوصاً بعد تعويم الجنيه، وتحرير سعر الصرف في العام 2016، ما آثر على أسعار جميع السلع. وتسبب ارتفاع الأسعار في أن يلجأ عدد كبير من أصحاب موائد الرحمن إلى استبدالها بـ"شنط رمضان"، والمكونة من السلع الغذائية التي تحتاجها الأسرة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار اللحوم أيضاً، والتجهيزات التي تحتاجها المائدة، هذا بخلاف حالة الركود التي تشهدها الأسواق.

بالقانون

وأعلنت الحكومة المصرية، عبر رئيس لجنة الصحة العامة وسلامة الغذاء، الدكتور عصام رمضان، عن الشروط الواجب توافرها لإقامة موائد الرحمن، وتتمثل في الحصول على إخطار من الأحياء أو المدن، بمراعاة قواعد المرور، والموافقة الأمنية، وعدم وقوع أي إشغالات، إضافة إلى توافر المياه النقية، والصرف الصحي والتهوية الجيدة. وتتضمن الشروط، ضرورة توافر ثلاجات خاصة باللحوم، ومنتجاتها، الى جانب النظافة الشخصية والعامة، لأدوات تحضير الطعام من جانب المشرفين على موائد الرحمن، وعدم استخدام أي ألوان صناعية في تحضيرها.

اجراءات لا تنتهي

وفي ظل أزمة الروتين والبيروقراطية التي تعاني منها المؤسسات الحكومية، قد يصل إنهاء الإجراءات والحصول على الموافقات المختلفة أكثر من شهر، بخلاف كثرة وتعقيد الاجراءات المطلوبة، وهو ما أدى إلى عزوف عدد كبير عن إقامة موائد، وبالتالي مواصلة معاناة الفقراء. التعقيدات القانونية وارتفاع الأسعار، جعل عدد من خبراء الاقتصاد والإعلاميين، يتهمون الحكومة بالتعنت والتعسف في مساعدة المحتاجين، مطالبين بالتسهيل، وترك حرية إقامة الموائد للجميع، بل وتشجيع أصحابها على استمرارها طوال أيام السنة. واتهم عضو مجلس النواب المصري، علي أبو دولة، الحكومة، بأنها لا تراعى الفقراء ومحدودي الدخل، بسبب العراقيل التي تضعها أمام أصحاب الموائد، على رغم من ارتفاع الأسعار الذي يضاعف مشاكل المواطنين.

حلم المائدة طوال العام

ويطالب عبد الله الناصر حلمي، من خلال صفحته على موقع "فايسبوك"، باطلاق مبادرة تحت عنوان "مائدة الرحمن طول العام"، لمكافحة الجوع. بينما يروي حمدي الشجيع، أحد المواقف التي عاشها عندما لجأ إلى الإفطار على مائدة الرحمن.

أشهر الموائد

في مصر هناك بعض المناطق المتعارف عليها للباحثين عن مائدة الرحمن، أبرزها التي تواظب على إقامتها طوال سنين عدة بمنطقة الوكالة بحي بولاق أبو العلا، وهو حي تجاري، يحوي الكثير من التجار، الحريصين على إقامة موائد للعاملين وفقراء المنطقة. ويحرص أهالي منطقة الزمالك، على إقامة موائد الرحمن، وتحديداً في شارع 26 يوليو، بعضها على الأرصفة، وأخرى أسفل كوبري 15 مايو، وينظمها الأثرياء من الأهالي، وبعض أصحاب المتاجر الكبرى.

وفي قلب القاهرة القديمة، تتجمع موائد الرحمن، في منطقة الموسكي، وتحديداً عند تقاطع شارع الأزهر، مع شارع بورسعيد عند تجار الموسكي. ويقيم تلك الموائد تجار المنطقة، وشارع عبد العزيز للعاملين وأهالي الأحياء الشعبية، وكذلك للمارة. وفي ميدان الدقي، وجامعة الدول العربية بالمهندسين، وفي ميدان الجيزة، ومنطقة وسط البلد، تجد الموائد التي تقيمها بعض الجمعيات الخيرية، ورجال الأعمال، ويتوجه إليها الطلاب المغتربون، ممن يتواجدون في تلك المناطق، بخلاف العمال والفقراء.

وفي مدينة 6 أكتوبر، يتحول ميدان ليلة القدر، إلى مائدة رحمن كبيرة، والتي يقيمها أصحاب المصانع المتواجدة في المنطقة الصناعية. وكذلك توجد موائد القوات المسلحة، في المحافظات المختلفة، وهو الأمر الذي اعتادته خلال الأعوام الأخيرة.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية