الإحتفاء بموسيقى الجاز.. حياة بين الإيقاع والمعاني

السبت، 28 أبريل 2018 ( 08:16 ص - بتوقيت UTC )

ليست موسيقى الجاز مجرد لحن جميل نستمتع به، ففي جوهرها روح استقرت على مجموعة من الأحداث التاريخية التي لونت البشرية وساهمت في تطورها ونهضتها. الجاز المليء بالشغف والإنفعالات العاطفية يحلّق بالناس إلى عوالم سحرية مستندة إلى واقع حقيقي يبرز نضال الناس وسعيهم إلى الحرية بما فيها حرية الفرد الشخصية وحرية التعبير وحرية المشاركة والعيش.

عبرت موسيقى الجاز، التي يحتفي بها العالم في الـ30 من نيسان (أبريل)، مراحل كثيرة لتصل إلى واقع غنيّ بالتنوع الثقافي وتنوعت مدارسها وآلاتها عبر العصور، فكسرت الحواجز ومنحت المتخاصمين فرصاً جديدة للتفاهم والتسامح. وأطلقت موسيقى الجاز في نشأتها فئات مضطهدة إلى سماء حريّة التعبير وحققت الوحدة والسلام وحررت أُناساً وأوطاناً من التوترات.

ليس هذا فقط، بل عززت موسيقى الجاز وما تزال المساواة بين الجنسين وتدعم دور الشباب في تغيير مجتمعاتهم، كما تشجّع الابتكار الفني والعفويّة وأشكال التعبير الجديدة وتمزج عراقة الموسيقى القديمة بسحر الأغاني الجديدة، وتحض على التبادل الثقافي وتقوّي شباب المجتمعات المهمّشة.

"موسيقى الجاز ليست مجرّد موسيقى عادية، بل موسيقى تنطوي على رسالة سلام عالمية تنسجم فيها الإيقاعات والمعاني، وتحمل قِيماً مهمة للناس كافة رجالاً ونساءً، وتتيح فرصاً فريدة للتفاهم عن طريق الاستماع واللهو والارتجال"، هكذا تقول المديرة العامة لليونيسكو أودري أزولاي بمناسبة اليوم العالمي للجاز.

حفل عالمي
وفي اليوم الدولي للجاز أشرفت أزولاي مع سفير اليونسكو للنوايا الحسنة هيربي هانكوك، على البرنامج الخاص بدورة 2018، وهو البرنامج الذي يشمل تنظيم نشاطات في سانت بطرسبورغ الروسية، المدينة المضيفة لهذه السنة، وكذلك في أكثر من 190 دولة. ومن المعروف أن هيربي هانكوك حائز على 14 جائزة "غرامي"، ويعمل من أجل نشر السلام والمحبة من خلال فنه، منذ أعوام الستينات من القرن الماضي وحتى اليوم.

ويقول هانكوك "لقد كان لموسيقى الجاز، طوال سنوات عدة، دوراً مؤثراً على العديد من بلدان العالم. وكانت بمثابة صوت الحرية لكثير من الأمم في نصف القرن الأخير". ويتوّج اليوم الدولي بحفلة استثنائية يشاهدها العالم أجمع على مسرح مارينسكي التاريخي. ويضيء الحفل نجوماً من مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمهم سفير اليونيسكو هيربي هانكوك الذي أطلق بنفسه مبادرة اليوم الدولي للجاز في العام 2011. وتقدم سان بطرسبرغ للجمهور برنامجاً حافلاً من الحفلات الموسيقية والمحاضرات والحوارات يشارك فيها موسيقيون رفيعو المستوى، مجاناً يومي 29 و30 الجاري.

احتفاء عربي
موسيقى الجاز التي ولدت في أميركا وعشقها العرب فمزجوها في ألحانهم ومؤلفاتهم الموسيقية، خُصِصَت لها احتفالات في عدد من الدول العربية في الأسبوع الأخير من شهر نيسان (أبريل). بيروت التي تشارك منذ العام 2013 في هذا الاحتفال معترفةً بدور الجاز في تقريب المجتمعات تنظّم مهرجاناً في ساحة النجمة وسط العاصمة يتضمن عدداً من الحفلات المجانية تكرّم المواهب، وتستضيف عدداً من الفرق والفنانين المحليين والعالميين تحت شعار الفنانة القديرة نينا سيمون "الجاز ليس مجرّد موسيقى، هو أسلوب حياة، طريقة عيش وتفكير".

سلطنة عمان تحتفي أيضاً، وضمن "موسم الفنون الرفيعة" تستضيف دار الأوبرا الأسطورة الحية مطربة الجاز الأميركية ديان ريفز المتميزة بصوتها الشجي، وتقنياتها الصوتية المذهلة، والتي توّجت إنجازاتها بفوزها بخمس جوائز "غرامي" عن أفضل آداء نسائي غنائي للجاز. وفي المغرب تُقام النسخة الـ13 من مهرجان موسيقى الجاز "جازابلانكا"، الذي يستضيف مجموعة من فناني موسيقى الجاز العالميين والمغاربة.

أما مصر احتفلت بموسيقى الشعوب باكراً هذا الشهر، واحتضنت بين مدينتي القاهرة والإسكندرية النسخة الثانية من مهرجان "حكاوي الجاز"، وهو أول وأكبر تظاهرة موسيقية في عروس البحر يسلط الضوء على نشر ثقافة موسيقى الجاز، ويمزج بين أشهر التجارب الموسيقية في هذا المجال بمصر وهولندا وسويسرا وكندا والولايات المتحدة الأميركية. وفي الأردن يشارك الثلاثي السويسري "ايف تايلر" في الدورة السابعة لمهرجان عمان لموسيقى الجاز لعام 2018. ويحتفل المهرجان بالتنوع واندماج ثقافات متنوعة، بمشاركة فرق موسيقية مختلفة من دول أوروبية وعربية.

لمحة تاريخية

من مزارع القطن والحقول من مدينة نيو أورليانز الأميركية دُندنت الأنغام الأولى من موسيقى الجاز تعبيراً عن التوق إلى الحرية ورفضاً للتمييز العنصري الممارس ضد السود في جنوب الولايات المتحدة الأميركية. فكان المسمار الأول الذي دقّ في نعش العبودية لكن نهضته الحقيقية كانت في أوائل القرن العشرين، حين ظهرت أول فرق موسيقى الجاز. وأثرت الموسيقى يومها في حياة الناس من الانعتاق إلى الحرية وتعزيز دور المرأة فكانت تلك الحقبة عصر الجاز الذهبي بحق، وفي تلك الحقبة اشتهر رواد هذا الفن أمثال لويس أرمسترونغ، بادي بولدن وديوك إلنغتون.

العام 1939، ساهم الجاز في نهضة المرأة يوم وقفت مغنية الجاز بيلي هوليداي على خشبة مسرح Café Society، أول نوادي الجاز المختلطة بأميركا. وفي العام 1964، جلست المغنية وعازفة البيانو نينا سيمون بقاعة كارنيغي الشهيرة بنيويورك أمام جمهور معظمه أبيض، وغنت الأغنية التي أصبحت نشيداً لحركة الحقوق المدنية Mississippi Goddamn.

عرفت موسيقى الجاز موسيقيين ومغنين خالدين لا زالوا يمتعون عشاق هذا النوع أمثال من الرجال: نيل آرمسترونغ، بيلي هوليداي، نات كينغ كول، ديزي غيليبسي، مايلز ديفيس، آل هيبلر، راي تشارلز، وفرانك سيناترا. ومن النساء: نينا سيمون، بيلي هوليداي، بيغي لي، دينا واشنطن، إلا فيتزجيرالد، سارة فون، إيتا جونز، أنيتا أوداي، أدلاي هال، آبي لينكولن وإيثيل واترز.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية