"المكارية".. مهنة قضت عليها وسائل النقل الحديثة

الأربعاء، 4 أبريل 2018 ( 06:27 ص - بتوقيت UTC )

لنعد إلى أيام الأبيض والأسود، ليس إلى حقبة السينما التي غابت عنها الألوان، ولا إلى الصور الفوتوغرافية القديمة التي تبدو مصفرّةً وقاتمةً بالمجمل، بل إلى أيام الخير البيضاء، ونقيضاتها العجاف في أعوام الحروب والمجاعات، للحديث عن "المكاري" الذي لعب دوراً هاماً على مختلف الخطوط الداخلية والخارجية، ثم اختفى تماماً وزالت آثار دوابه عن الطرقات بعدما كساها الزفت واستوطنتها عجلات السيارات.

من هو "المكاري"؟. لن يكون من السهل التعرّف إلى مهنة لم تعد موجودة، ولا رسم ملامح من شغلها لوقت طويل ثم ترك مهنته بعد غياب الطلب عليها، أو مات ولم يورث عمله لابن أو حفيد. وعليه فإن أجيالاً من اللبنانيين لن يكون بمقدورهم تفسير كلمة "المكاري" أو وضعها في جملة مفيدة، ما لم تبحث في أحد المعاجم، أو تسأل كبار السن عن معنى "المكارية" ودورها.

أجرة

لا يمكن تحديد التاريخ الفعلي لظهور مهنة "المكارية"، فاستخدام البغال والحمير في النقل والإنتقال قديم جداً، ويُحكى أن الإنسان استخدم الدواب في الترحال والسفر منذ سالف الزمان، لذا فإن ما يُمكن البناء عليه نسبياً هو القرنين الأخيرين من الألفية الثانية، وهي فترة قريبة نسبياً وتحفظ للمكاري في ذاكرة الأماكن وبعض أناسها الكثير عن مكانته في المجتمع.

والمكاري هو من امتلك أو استأجر دابةً أو أكثر، واستخدمها لنقل الأشخاص على غرار سيارات الأجرة، حيث وقف وزملائه في الكار في محطات محددة أو أماكن متفرّقة، في المدن والقرى، بانتظار الركاب الذين انقسموا إلى فئتين: الأغنياء الذين طلبوا توصيلات على البغال، والفقراء الذين دفعوا أجرة متواضعة لـ "مشغّل" الحمير.

تهريب الحنطة

والمكاريون استخدموا الدواب في خدمات نقل البضائع والتجارة، وهم من زرعوا الجبال والوديان جيئة وذهاباً بين جبل حوران والجنوب، وبين الجنوب والمدن الفلسطينية، وبين البقاع والداخل السوري. ففي كتاب "شمسطار في الذاكرة" وهي بلدة في شرق لبنان، الصادر عن بلديتها، فإن "المكاريين" عملوا بعد انتهاء موسم الحصاد كتجار غلال من حوران إلى جبل لبنان وغيرهما.

وعلى هذا النحو انتقلت المنتجات بين بلاد الشام في أيام الرخاء. وفي الحروب، نشطت عمليات التهريب لتأمين الحنطة للعائلات التي يُحاصرها الجوع، وغامر المكاريون بحياتهم للعب دور الوسيط بين المُنتج والمستهلك. من جهة أخرى، برز دور المكاريين في المدن، لا سيما في بيروت خلال عهود كثيرة. وحتى خمسينات القرن الماضي، ظلت البغال والحمير، وسيلة هامة لنقل مواد البناء، من مقالع المدينة إلى مواقع التشييد.

زينة وتنظيم

كغيرها من المهن، خضعت "المكارية" لتنظيم خاص بها على رأسه شخص يتابع شؤونها ويضبط إيقاعها، ويُعتبر المرجعية في حال الشكوى من أحد المكاريين. وقد سُمّي بـ "المكاري باشي" أي نقيب الكار. بدورهم، اهتم المكاريون بدوابهم، وحرصوا على نظافتها، واشتروا لها البرادع المنجّدة على يد أهم الجلالاتيين. كما زيّنوها بالشراشيب. وفي رحلاتهم الطويلة توقفوا في الخانات، لنيل قسط من الراحة، وترك الدواب في الإسطبلات لترتاح هي الأخرى بعد سير طويل، ولتتمكن بعد ذلك من إكمال المسار.

ويُروى عن خان الشهابي في حاصبيا (جنوب لبنان) أنه كان محطة استراحة لمكارية فلسطين ولبنان، فيما لعبت محطة القطار في بعلبك دوراً في فرز المسافرين على المكارية المتوقفين في باحتها، حيث كانت البغال والحمير في انتظار المسافرين لتقلّهم إلى وجهاتهم.

 

تراجع واندثار

نشطت "المكارية" في المجتمعات الزراعية، وتداخل نشاط العاملين فيها بين فلسطين وسوريا ولبنان، قبل أن تفصل الحواجز بين هذه الدول. ثم تراجع دورهم مع التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة في العقد الثاني من القرن العشرين.

أما الدور المحلي، فتراجع تدريجياً بضعف الإنتاج الزراعي، ثم بالاعتماد على السيارات والجرارات والشاحنات، فضلاً عن تنظيم عمليات الإستيراد والتصدير. الأمر نفسه في ما يتعلّق بنقل الركاب ومختلف أشكال البضائع، فقد قصّرت العجلات المسافات، ولم يعد للحوافر أي وقع يُسمع على الأرض.

وبذلك لم تعُد المجتمعات بحاجة إلى "المكارية"، فانقطع عدد منهم عن أعماله واستبدلها بأخرى، بينما واظب آخرون على ممارستها حتى الرمق الأخير من دون أن يوصوا بتوريثها إلى أحد. وتجدر الإشارة إلى أن ما بقي من مهنة "المكارية" في عدد من المناطق اللبنانية هو اللقب، حيث تحمل عائلات من مختلف الطوائف كنية "مكاري"، بما يؤشر ـ وعلى غرار عائلات الجمال والقاطرجي والنجار والحداد ـ إلى أن الجد الأكبر عمل مكارياً ذات يوم.   

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية