التونسيون والعطور.. تقاليد عتيقة في التعامل مع الروائح

الخميس، 12 أبريل 2018 ( 02:30 م - بتوقيت UTC )

"الحكاية بدأت منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، عندما ذهبت إلى منطقة قفصة جنوب غرب تونس للقيام ببحث ميداني في المادة التي أدرّسها في الجامعة الفرنسية اليوم وهي علم النفس الاجتماعي. قضيت ما يناهز السنة بحالها بين أبناء قفصة وتشاركت معهم السكن. كنت أركز اهتمامي في عملي البحثي ولكنني كنت أركز أيضا في تلك الروائح المنبعثة من المنازل والمقاهي والحمامات التقليدية، لقد سحرني موضوع الروائح وقررت أن أعود مرة أخرى إلى قفصة ومناطق أخرى من تونس كي يتسنى لي دراسة الروائح التونسية"... بهذا التوصيف يلخص الباحث التونسي في علم النفس الاجتماعي وصاحب كتاب "العجيب والاحتفاء بالرائحة: تقليد الروائح" ناصف نكبي، المكانة التي تحتلها الروائح في الثقافة اليومية للناس في تونس، وهو الذي أمضى نحو 10 سنوات في تأليف كتابه حول الروائح في تونس وكيفية استخلاصها والمعاني التي ترمز إليها.

عاد نكبي إلى كل المراجع التاريخية المتاحة كي يستجلي أمر الروائح في تونس، ويحلل موقع العطور في الحياة اليومية للتونسيين بداية من الحضارات القديمة مثل الحضارة القبصية والحضارة الموريسكو-متوسطية ثم القرطاجيين والنوميديين والبربر والعرب والأتراك والفرنسيين وغيرهم من الشعوب والأجناس التي جاءت إلى تونس حاملة معها ثقافاتها العطرية.

يشير نكبي في كتابه إلى أن الروائح لدى كل الشعوب تعتبر "خزانا للذاكرة" فهي لا تختلف عن التماثيل والآثار التي يتم العثور عليها في أي منطقة من العالم، "فعلم النفس يقول إن الروائح مرتبطة بأحداث وبذكريات معينة، والأمر ينسحب على النفسية الاجتماعية العامة أيضا، فرائحة البخور تذكرنا مثلا بالمنزل". 

بحسب الكاتب، إن تقاليد الروائح لدى شعوب شمال أفريقيا مستلهمة مما كان الفراعنة يفعلونه مع موتاهم من الآلهة. فقد كان البخور المقدس يوضع بجانب تابوت الفرعون الذي يموت وكانت الزيوت ومستخلصات الأعشاب تدفن مع الفرعون في قبره لأنها مصدر للروائح العطرة. كما يؤكد أن القرطاجيين اهتموا بالعطور وكانت بعض القنانين الزجاجية موجودة لتعليب العطر المقطر من الزهور بشكل مباشر في ذلك العهد. ثم إن التونسي حتى أيامنا هذه يعتبر من الشعوب التي تهتم بالعطر وبنوعيته ونسبة الإقبال عليه تعتبر مرتفعة مقارنة بعدد السكان وكمية الاستهلاك.

اختار الباحث التونسي تاريخ الروائح ومعانيها ليكون مدخلا أنثروبولوجيا لدراسة النفسية العامة للتونسيين وشعوب شمال أفريقيا بشكل عام، فـ"الروائح ليست مستقلة عن طقوس كاملة كانت تصاحب صناعة وإطلاق تلك العطور والروائح". لذلك يعتبر نكبي أن الرائحة تعد شحنة سيميائية مفعمة بالرموز والمعاني وهي خزان للذاكرة وأداة للتعبير عن طبيعة أي شعب.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية