"فأر سد مأرب".. أسطورة يمنية فاعلة في الأدب العربي

الجمعة، 30 مارس 2018 ( 12:54 م - بتوقيت UTC )

يتغذى الأدب على الواقع آخذا منه أفكاره وأحداثه وفعالياته، ويستمد من الشخصيات الفاعلة فيه المشاعر والأحاسيس والانفعالات العاطفية، ثم يعمل على إعادة تشكيلها في صور أخرى تخلط بين المنفعة والجمال، بحسب توجه الأديب أو الكاتب أو المؤلف.

لكن هناك مصادر أخرى غير هذا الواقع، مصدر آخر قبل أن يصل إلى إدراك المبدع وخياله، يتمثل هذا المصدر في الحكايات والأساطير والقصص الخيالية التي ابتدعها الإنسان منذ القدم، فيعيد المبدع كتابتها وإدخالها في قوالب أخرى، بعد أن تتفاعل في سياق قديد، وتحمل رؤية جديدة ومعنى مختلف.

ويمتلئ الأدب العربي بالكثير من القصص والحكايات والأساطير، سواء كانت هذه الحكايات مأخوذة من الأدب العالمي أو من التاريخ والتراث العربي، أو من القصص والحكايات الدينية المذكورة في الكتب السماوية أو غيرها من المصادر ذات الطابع الديني المتداول.

وتناولت العديد الدراسات والأبحاث دراسة المصادر الأسطورية التي أثرت وما زالت تؤثر في الأدب العربي شعرا ورواية وقصة قصيرة، مثل الأساطير اليونانية والشخصيات المرتبطة بها كزيزيف، وأفروديت، وأخيل، وغيرها.

وفي اليمن تسللت أسطورة "فأر سد مأرب"، إلى الأدب العربي وأثرت فيه، وأسهمت مع غيرها في جعلها مادة تساعد المبدع على تدعيم فكرته الأدبية وبناء نصه الأدبي استنادا إلى هذه المرجعية الأسطورية اليمنية.

سد مأرب والفأر

يعد سد مأرب في اليمن من أهم المآثر التاريخية في العصر القديم، وبني تقريبا في الألف الأول قبل الميلاد، لكن دراسة النقوش ودراسة بقايا السد القديم أثبتت وجود طبقات للسد ما يعني أنه قد تم تطويره عدة مرات من قبل. وتم بناء سد مأرب الحديث بدعم من مؤسس دولة الإمارات بأمر الشيخ زايد -رحمه الله- لإعادة بناء سد مأرب التاريخي من رؤية حضارية وموقف قومي.

وهناك حكايات مختلفة عن دمار سد مأرب التاريخي ومن هذه الحكايات أسطورة تقول: أن من هدم سد مأرب وتسبب في شتات اليمنيين ومملكة سبأ حينها، هي فأرة، ظلت تقرض صخرة في أساس السد حتى تهدم وانفجر، ومعه اندثرت الحضارة اليمنية القديمة.

ويقول المقالح في خاتمة قصيدة مشهورة، الفأر الذي خرج ملعونا:

ماذا تركت من ذكرى على ضميرها ومن أمجاد؟

لا شيء يا صغير

لا شيء غير لعبة المزاد

رفاقك القراد والقواد

وعاصف الفساد

ماذا تركت للذين يقرؤون؟

ماذا سيكتب الأطفال عنك حين يكبرون؟

سيكتبون.. مر من هنا منتفخا

فأر صغير يرتدي ثوب مغامر جلاد!!

ويتضح من النص كيف تم توظيف الأسطورة هنا، فيأخذ الفأر رمزية أخرى ولكنها مستمدة طاقتها الأسطورية بعد أن أخذت معنى جديدا معاصرا. والأمر ذاته نجده عند شاعر اليمن عبدالله البردوني الذي يستغل هذه الطاقة الرمزية في هذا النص:

ويداك ، زوبعتان ، تنبح في لهاثهما الضغينة

يا وارثاً عن ((فأر مأرب)) خطّة الهدم اللّعينة

حتى المساجد ، رعت فيها الطّهر ، أقلقت السّكينة

وقبله بقرون يقول الشاعر عمارة اليمني: فقد هد قدماً عرش بلقيس هدهد وخرب فأر قبل ذا سد مأرب

الأمر ليس كذلك فحسب، بل يذكرها الجاحظ في كتاب الحيوان.

هذه الأسطورة لا تقتصر على الأدب الحديث فقط ولكنها منبثة في المدونة العربية منذ القدم ومازالت تتفاعل حتى اللحظة.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية