"عمال النظافة".. حياتهم قد تكون ثمن تنظيف العالم الافتراضي

الأربعاء، 28 مارس 2018 ( 02:59 م - بتوقيت UTC )

لا يستطيع أحد إنكار أهمية وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها ملايين البشر حول العالم، ولعل الاهتمام الذي أُثارته فضيحة تسريب أو سرقة بيانات المستخدمين على "فايسبوك" أو ما عرف بفضيحة "أناليتيكا" نسبة إلى اسم الشركة البريطانية التي قامت باستخدام المعلومات (كامبريدج أناليتيكا) في آذار (مارس)، ٢٠١٨ دليل على تلك الأهمية.

وإن كانت فضيحة "أناليتيكا" تتعلق بسرقة المعلومات والخصوصية، فإن الفيلم الوثائقي "عمال النظافة" يتعلق بجانب مهم من حياة الفرد الافتراضية، لأنه وببساطة يقع في قلب عملية اختيار ما ينشر وما يتم حذفه بكل ما لهذه القرارات من انعكاسات على الفرد والمجتمع وربما العالم بأسره، إن تصورنا دور تلك القرارات في اختيار رئيس أو إسقاط آخر.

وإذا كان الاهتمام يتزايد من قبل جهات علمية كثيرة تبحث عن أثر استخدام السوشيال ميديا، ومخاطر تحولها إلى إدمان، وعلاقة هذا الاستخدام بقضايا نشر الأخبار الكاذبة، واستخدامها لنشر الكراهية في قضايا مثل قضية الروهينغا، فإن التأثير على ما ينشر أو لا ينشر، وما يستمر وما يتم حذفه، يتحول إلى قضية مهمة تطرح بدورها تساؤلات عن من يقوم بهذه المهمة وكيف يقيم ما يحذف وأسبابه.

قضية الحذف أو المراجعة بشكل عام يقوم بها "عمال النظافة" كما أطلق عليهم في الفيلم الذي أخرجه كل من هانز بلوك وموريتز رايسويك وتم إنتاجه في بداية عام ٢٠١٨ ويتم صدوره في ١٧ أيار (مايو)، وإن كان قد شارك في بعض المهرجانات في كانون الثاني (يناير) من نفس العام.

يتحدث الفيلم عن الجنود المجهولين الذين يعيشون خلف الشاشات من أجل مراقبة ما ينشر، وكأنهم في طبقة أخرى معزولة عن المستخدم وقريبة منه في نفس الوقت، حالة من العالم الموازي أو العالم السفلي للإنترنت، أما دورهم فهو وببساطة تدقيق كل ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي بما فيها "فايسبوك" و"غوغل" وغيرها من خلال القواعد التي يتم تسليمها لهم.

بوست الإعلان عن الفيلم

أما عملية اختيار هؤلاء الجنود فتتسم بدرجة من الغموض لا تختلف عن الدور المناط بهم حيث تخضع عملية الاختيار لدرجة كبيرة من السرية، ولا يعرف العمال الذين يختارون من الفلبين وغيرها من مناطق شرق آسيا طبيعة العمل حتى يتم الموافقة عليهم ويتم توقيع عقود تضمن السرية وعدم الإعلان على ما يتم القيام به في الغرف المغلقة التي يتفرغون فيها لعملية التنظيف.

وإن كنا نقرأ من وقت لآخر عن البث المباشر الذي يتم عبر السوشيال ميديا لعمليات قتل أو عنف جسدي أو محاولات انتحار أو فيديوهات تتعلق بجماعات إرهابية وغيرها من الأمور التي يصعب مشاهدتها ويتم حذفها فور انتشارها، علينا أن نتصور كم المواد التي تحذف ولا تصل إلينا بسبب عمال النظافة، وما يشاهده هؤلاء العمال من مواد لا يسمح لهم بالحديث عنها بما يحول التجربة السرية واليومية والتي تمتد لساعات عمل طويلة وأيام متصلة أحيانا، كما يؤكد الفيلم، إلى عامل ضغط نفسي لا يستطيع البعض التعايش معه وقد يقودهم إلى الانتحار.

تتحول المواد المحذوفة إلى ماض غير معلن، ولكنه واقع يستمر في ذهن بعض هؤلاء العمال وقد لا يفارقهم. وإن كانت تلك الوظيفة مهمة من الناحية النظرية، إلا أن التساؤلات حولها لا تنتهي حيث ينتقد تركيز الشركات الكبيرة على النمو والثراء دون الاهتمام بما يحدث عبر مواقعهم.

وينتقد غيرهم التشدد في عمليات الحذف والتي تشمل الصور القادمة من الحروب ومناطق النزاع، وترى أن عملية الحذف تعني حذف جزء من الذاكرة والوقائع وكأنها تساعد من يرتكب تلك الجرائم على حذف بعض الأدلة كما تعيق وصول تلك الصور للعالم واكتسابها التعاطف المطلوب.

ترشح الفيلم لعدة جوائز منها جائزة منظمة العفو الدولية لأفضل فيلم وثائقي، ورغم ما يتعرض له من انتقادات يظل من المهم طرح تلك القضية والتفكير فيها بشكل عام وفي حياة هؤلاء العمال. وفي حين يسعى من يرتكب أعمال العنف وغيرها إلى العلانية فإن من ينظف تلك الأعمال يظل سريا خلف الأبواب المغلقة في عالمه الموازي وحيدا مع جهاز وشاشة قد تنقل له بعض الأخبار السعيدة، ولكنها تنقل له أيضا أسوا ما يحدث في العالم من صور ووقائع وفيديوهات قد تظل عالقة في الذاكرة ولا يستطيع الهروب منها حتي وإن لم تنشر ولم تصل إلينا وهو تحد شديد ليس من السهل التعايش معه.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية