"مكتبة ابن سينا" في باريس.. معلم ثقافي عربي مهدّد بالضياع

السبت، 24 مارس 2018 ( 07:01 ص - بتوقيت UTC )

إن كنتَ مهتمّاً بالثقافة العربية وقمتَ بزيارة باريس، فسيكون عليك أن تُعرّج على حي جوسيو في الدائرة الخامسة؛ حيثُ "مكتبة ابن سينا" التي تُعدّ إحدى أشهر المكتبات العربية وأعرقها في العاصمة الفرنسية.

تأسّست المكتبة عام 1979 على أيدي شبّان لبنانيّين هاجروا من بلدهم خلال الحرب الأهلية. وفي سنة 1985، اشتراها اللبناني، هشام معاوية (1957)، الذي استطاع أن يُحوّلها، خلال ظرف وجيز، إلى قبلةٍ وملتقىً للباحثين والمثقّفين العرب والأجانب.

تضمُّ المكتبة، اليوم، قرابة عشرة آلاف كتابٍ في مختلف المجالات الأدبية والفكرية والعلمية، من بينها عددٌ كبيرٌ من العناوين النادرة والمراجع الفريدة. وخلال ثلاثةٍ وثلاثين عاماً الماضية، لعبت دوراً بارزاً في التبادل الثقافي بين الشرق والغرب.

ظلّت "ابن سينا" تستقطب الباحثين والمهتمّين بالثقافة العربية من بلدان القارّات الخمس، بحثاً عن جديد الإصدارات باللغة العربية. كما كانت محطّةً لا بدّ من المرور بها بالنسبة إلى عددٍ كبير من الكتّاب والمفكّرين والفنّانين العرب؛ مثل الشاعرَين الفلسطيني محمود درويش والسوري أدونيس، اللذين يُعدَّان من زبائنها المنتظَمين.

وإلى اليوم، لا يزال هذا المبنى الصغير يُشكّل فضاءً يلتقي فيه المثقّفون العرب، والمهتمّون بالثقافة العربية، كل يوم جمعة، لمناقشة قضايا فكرية وثقافية أدبية.

وبالتأكيد، كان لموقع المكتبة الاستراتيجي الدور الأكبر في شهرتها؛ إذ تقع "ابن سينا" في حيّ جوسيور، قبالة "معهد العالم العربي" الذي تزوره أعداد هائلةٌ من المهتمّين بالثقافة واللغة العربيّتين، من فرنسا وخارجها. وفي المنطقة نفسها، توجَد العديد من المعاهد والجامعات والمراكز البحثية.

يُطلَق على هذا الحي اسم "حيّ المكتبات"، بسبب وجود عددٍ كبير من المكتبات فيه. لكن معظمَها أُغلق لأسباب تتعلّق بأزمة القراءة وتراجع الكتاب الورقي. وفي إحدى مقابلاته الصحافية قبل سنواتٍ قليلة، يقول معاوية، الذي حاز "وسام الآداب والفنون" الفرنسي في 2003، إن مكتبته لم تصمد لأنها مربحةٌ تجاريةٌ، بل بفضل حبّه للكتب وإدمانه عليها.

هشام معاوية

غير أن صمود المكتبة لن يستمرّ طويلاً على ما يبدو؛ إذ أعلن معاوية، أخيراً، عزمه عن إغلاق المكتبة في غضون خمسة أشهر.

في لقاءٍ مع قناة "دوتشه فيله" الألمانية، بُثّ أخيراً، يشرح الكُتبي اللبناني دوافع قراره، قائلاً إنه يأتي تحت ضغط إكراهات مالية: "لا يوجد شغل. ثمّة خسارة مادية كبيرة.. لقد قاومتُ كثيراً، لكنّي لن أستطيع المقاومة إلى ما لا نهاية".

يعتقد معاوية بأن المكتبة فقدت وظيفتها التقليدية: "قديماً، كان يأتي الباحثون من مختلف بلدان العالم أجمع بحثاً عن عناوين معيّنة. مع الوقت، صرتُ أعرف توجّهات القرّاء وطلباتهم وأحرص على توفيرها. أمّا اليوم، فقد اختلف الوضع؛ إذ صار كلّ شيء أصبح متوفّراً على الإنترنت. فمكتبة الكونغرس، مثلاً، تتيح كلّ الإصدارات الجديدة. لم يعُد هناك معنىً لمبرّرات العمل المكتبي الكلاسيكي".

لا يُبشّر معاوية باندثار الكتاب الورقي "الذي يظلّ له سحر خاصّ". لكنه يؤكّد، في المقابل، أن حضور المكتبات سيخفّ بشكل واضح في المستقبل. لكن ماذا عن مصير العدد الهائل من الكتب التي تضمّها جدران المكتبة؟ يجيب المتحدّث بالقول إنه سيحتفظ في مكتبته الخاصّة بأمّهات الكتب، وبالعناوين النادرة التي يصعب العثور عليها في أماكن أخرى، بينما سيعرض بقيّة الكتب للبيع على الإنترنت.

يعترف معاوية بأن إغلاق المكتبة لم يكن قراراً سهلاً؛ فهي بالنسبة إليه مكان يحتفظ فيه بالكثير من الذكريات والصداقات التي جمعته مع شخصيات عربية وأجنبية. غير أنه يضيف: "حان الوقت للعودة إلى الطبيعة، إلى قريتي التي اشتقت إليها كثيراً".

لم يستطع معاوية إخفاء دمعته وهو يتحدّث، ولعلّ زوّاراً كثيرين سيفعلون الأمر نفسه حين يسمعون الخبر؛ فـ"ابن سينا" التي لم تعُد مجرّد مكتبة، بل باتت واحداً من معالم باريس ورمزاً للثقافة العربية فيها.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية