في معنى الإنسانية.. صور من حول العالم

الاثنين، 19 مارس 2018 ( 10:33 ص - بتوقيت UTC )

لا يمكن إنكار التنوع الذي يغلف السوشيال ميديا والقضايا التي تجذب الاهتمام وتثير التعليقات سلبا وإيجابا، وعلى مدار الفترة السابقة تداولت عدة أخبار وحكايات تختلف في التفاصيل وتتفق في المعنى الإنساني. وفي مواجهة أخبار الحروب والمعاناة، والهجرة واللجوء، والقبول والرفض، والثقة والخيانة، تأتي تلك الأخبار بوصفها إضاءات تؤكد على أن النور موجود في مكان ما، وفي لحظة يمكن أن تمثل بارقة أمل لمن يواجه تحديات صعبة.

ساعة من أجل إنقاذ حياة

تفرض قصة حزمة الحطب نفسها هنا، وكيف أن الحزمة في تجمعها تمثل قيمة وقوة لا تتوافر في الأجزاء المكونة لها بنفس الدرجة. ولكن بدلا من الحطب نتحدث عن الوقت، وما يمكن أن تقدمه ساعة من وقت فرد عندما تضاف إلى غيرها من الساعات.

يتعلق الأمر بأندرياس الذي اكتشف أن ابنه الوحيد (٣ سنوات) يعاني من مرض السرطان وبحاجة إلى علاج كيماوي، وبعد وفاة زوجته كان عليه أن يتغيب عن العمل من أجل رعاية طفله. وبعد استنفاد ما لديه من إجازات قام أندرياس بشرح الموقف لمدير الموارد البشرية في الشركة التي يعمل فيها بألمانيا، والذي أرسل رسالة إلى موظفي الشركة وطالبهم بمساعدة أندرياس عبر التبرع بساعات عمل إضافية يمكن لها أن تحميه من خسارة وظيفته.

وقد قبل جميع الموظفين البالغ عددهم ٦٥٠ موظف المشاركة، وفي أسبوعين تم جمع أكثر من ٣ ألاف ساعة تحولت إلى إجازة مدفوعة لمدة سنة ونصف. بدوره علق أندرياس على الموقف بقوله “سأبقى ممتنا إلى الأبد لكوني زميلا لموظفين تبرعوا بثلاثة ألاف ساعة من العمل من أجلي حتى أتمكن من البقاء مع ابني يوليوس فى المستشفي... لقد أنقذوني من خسارة وظيفتي". وإن كانت الساعة هي العنصر المادي، فإن التراكم المعنوي للمشاعر والحرص والتعاون ربطت بين الساعات وتحولت قصة معاناة لقصة ملهمة في معنى المشاركة الإنسانية.

روح القانون وإنسانية قاضي

تتعلق القصة بفيديو على "فايسبوك" للقاضي فرانك كابريو من برنامج "من محكمة بروفيدانس" والذي يقوم بتغطية أعمال القاضي القانونية. وبروفيدانس هى عاصمة ولاية رود آيلاند الأميركية والتي يشغل القاضي المولود عام ١٩٣٦ منصب رئيس المحكمة فيها بالإضافة مناصب أخرى.

وتتشابه تفاصيل القصة مع فيديو أخر من عام ٢٠١٧ انتشر على السوشيال ميديا ويظهر نقاش القاضي مع لاجئ سوري في الثمانين من عمره متهم بمخالفة مرورية. وقد أسقط كابريو الغرامة (٣٠ دولار) قائلا "لنتذكر أننا جزء من هذا العالم فكل منا لديه أسلاف قدموا من أماكن أخرى" وهي حقيقة في حالة القاضي الذي هاجر والده إلى أميركا من إيطاليا.

يتعلق الفيديو الذي أتوقف أمامه بحدث مشابه وهو مخالفات إيقاف السيارة ولكن فى عدد من المرات وبالسؤال عن كل حالة من المخالفات المتراكمة بإجمالي يتجاوز ٤٠٠ دولار وأسبابها تبدأ أجزاء من حياة السيدة اندريا في التكشف بداية من وفاة ابنها وأقساط جنازته، إلى إيقاف أموال الضمان، وطردها من السكن قائلة لقد مررت بعام سيئ. يقلل القاضي الغرامات إلى ٥٠ دولار، وعندما ترد على سؤاله حول المدة اللازمة لدفع الأموال بأن لديها ٥٥ دولارا ويمكن أن تدفع المبلغ يقوم كابريو بإلغاء الغرامة قائلا "لن أدعك تغادرين وليس معك إلا خمسة دولارات" متمنيا أن تتحسن الأوضاع.

يتعامل كابريو في مساحة إنسانية تقارب بين القانون وروحه، وتؤكد أن القاضي ليس أداة عقاب، والقانون ليس مجرد قواعد جامدة. القاضي يسقط بعض الأموال التي كان يمكن أن تذهب إلى خزانه المدينة، ولكنه يساهم في حمايتها من مخاطر أكبر عندما يؤكد على روح القانون وقيمة الإنسان.

أما شخصيات القصة وغيرهم، ومع حقيقة أن أوضاعهم ربما لم تتحسن لمجرد إسقاط الغرامات إلا أنها ساعدت على الأقل في اللحظة، بالإضافة للقيمة المعنوية التي تستبدل الخوف والقلق الذي ظهر على ملامح السيدة وحديثها عن عدم معرفة كيف يمكن أن تجد المال حتي تسدد الغرامات، وصورتها فى النهاية وهي تشكر وتبتسم ابتسامة امتنان حقيقية.

كن صديقي.. في مخاطر الأحكام المسبقة

نشرت صفحة من الصفحات على "فايسبوك" فيديو تحت عنوان "مكانك في القمة، فالنسور تعيش في القمم"، الفيديو الذي لا يحتوي على بيانات تتعلق بشخصية المتحدث، والحدث وتوقيته، أقل من ثلاث دقائق. ولكن في تلك المدة القصيرة يشير المتحدث لنقاط تحمل معنى إنسانيا مهما.

في البداية يشير للمعاناة التي واجهت أسرته، وكيف كانت والدته تتحايل على قلة الإمكانيات وتجهز له ملابس ذات ألوان مميزة ونقوش ورابطة عنق كبيرة للذهاب إلى المدرسة في كاليفورنيا. ويتبع هذا بتعليق مهم لتوضيح الصورة بقوله إن تلك التجربة أكدت على الفارق بين "الإفلاس والفقر".

قضية مهمة، كيف تتحايل على قلة الموارد أو تتحايل بالموارد القليلة التي تملكها، وتحافظ على الكرامة المطلوبة دون أن تخضع للتغليف في خانة الفقر الذي يعرفه بوصفه "تعطيل لجزء من العقل، وجعل روحك في حالة اكتئاب". يبدو الهامش ضئيلا بين أن يكون النقص في المال، وأن يكون النقص في المال والخيال. قد لا تستطيع أن تتجنب الإفلاس لكن قد تستطيع تجنب الفقر بهذا المعنى.

النقطة الثانية تتعلق بزيارته للهند والأفكار التي صاحبته بين نسيان محفظته في التاكسي وحضور السائق إلى الفندق لتسليمها. يبدو فى الحديث قدر المشاعر والأفكار السلبية التي سيطرت عليه في تلك الفترة التي خصصها لإصدار أحكام عن السائق والطبيعة الإنسانية أو كما وصفها بقوله "بدأت أسوء الظن بالناس". عندما يحضر السائق يحطم جزءا كبيرا من تلك الصور السلبية، وعندما يرفض الحصول على مقابل تتحطم بقايا تلك الصور. وعندما يطالبه السائق بأن يحضر لزيارته في بيته وتناول الشاي عند زيارة الهند مع عبارة "كن صديقي" تبدأ صور إيجابية فى التأسس وتتحول مشاعر الغضب إلى مشاعر سعادة. الحدث يقدم بوصفه وسيلة لتأكيد إمكانية الحصول على الكثير عن طريق العطاء والبناء، والتعلم عن طريق الاستماع.

يقول المهاتما غاندي: يجب أن لا تفقد الأمل في الإنسانية، إن الإنسانية مثل المحيط وإذا كانت بضع القطرات قذرة فإن المحيط بأكمله لا يصبح قذرا. ومثل تلك القصص تؤكد على القطرات الأصيلة في محيط الإنسانية التي نحتاجها على هامش الكثير من صور المعاناة.

ads

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية