المعتقدات الشعبية: من معارك ضد الشر الى شعارات انتخابية

الجمعة، 30 مارس 2018 ( 03:27 م - بتوقيت UTC )

أكمل الفنان الأسباني "غويا" لوحته المشهورة "إذا نام العقل استيقظت الوحوش" منذ أربعة قرون. رجل نائم، أسند رأسه ويديه إلى طاولة وخلفه مجموعة من البوم والخفافيش تصفق وتصيح. كانت الخفافيش في معتقداتهم تعني الظلام والشياطين، واعتبرت هذه اللوحة ترجمة بسيطة ومباشرة الى"أن الوحوش تتكاثر عندما تخلد العقول إلى النوم، ويرتفع صوتها عندما تنعدم وتيرة التفكير في أصل الأمور وحقيقتها". كانت دعوة لاحترام العقل ونبذ الجهل والخرافة.

تحت مسمى معتقدات غريبة عند الشعوب، ضاربة في ثقافتنا، يستعمل الناس يوميا بحكم العادة، عشرات الأمثال والأقوال التي ليس لها أي تفسير علمي، وأحيانا ليس لها سبب، لكنها مرتبطة بوجدانهم، سمعوها من جداتهم وأمهاتهم. لها تأثير نفسي، تخفف من حدة الأثر المزعج الذي يقع، كمواساة للنفس وتعزية لها. فنقول سقوط فضلات العصفور على الملابس يجلب الرزق، وإذا انكسر شيء "انكسر الشر".  يقولون "دلق القهوة خير"، أو رزق قادم، على رغم أنه لا خير في الفوضى والاتساخ الذي تسببه بقع القهوة المنسكبة على الشرشف الأبيض أو الملابس بل يحتاج ذلك إلى جهد كبير لإزالتها.

كبير الخدم "خير" هو أصل حكاية في انتشار جملة "دلق القهوة خير"، كان خير يعمل في منزل أحد الأثرياء، تعثر يوما أمام الضيوف، وسكب القهوة، فقالوا "دلق القهوة خير"، ورددها الناس، لتصبح مثلا منتشرا، بعيدا عن فال الخير الذي نقصده.

 بين المتفائلين وبين المواسين، نتيجة فقدانهم لشيء، غالبا ما يكون ماديا، يلجأ البعض للتخفيف من حدة ما حصل، إلى قول مثل هذه الأمثال المتوارثة، ومنها ما يجمع بين الطرافة والبدع. تقول ملاك: "كانت والدتي تردد ذلك دائما وكان يتسع فمي دهشة، لم أكن مقتنعة، رغم أنني غالبا ما اكسر الصحون ودوما أردد قدر الله وما شاء فعل، باعتقادي كل ذلك تفكير خاطئ لأن ما يريده الله بأن يحدث سيحدث حتى لو كسر زجاج الأرض كله، تقول أمي انكسر الشر، ذلك للتخفيف من هول الخسارة عندما أكسر كاسة الشاي، لتهدئ من روعها، فأطمئن أنه لن يلحقني توبيخ، رغم أنه في هذه الأيام بالتحديد الكاسات تنكسر سريعا، نتيجة انتشار السلع الرديئة".

تصرخ مريم على ابنتها كلما حملت مقصا، وفتحته في المنزل، لانها تعتقد بان ذلك"جلاب الفقر" ونذير شؤم. وتقول: "كانت جدتي تخاف مثل هذه الأمور وكنت اضحك، عندما كبرت قرأت عن تأثير هذه الأمور على الطاقة الإيجابية في المنزل بحسب علم المكان، والذي يشبه كلام جدتي الثمين، مثل رش الملح في زوايا المنزل لابعاد السحر ودرءا لمقاصد النفوس الشريرة، وضرورة التخلص من الأواني المشروخة، والمرايا المكسوره، حتى لا تبقى العين التي أصابتها بالكسر موجوده في المكان". وتوضح مريم: "ما دامت المسألة تجربة، لماذا لا نسأل من جرب هذا وننقله منه، إذا ثبت أن أصله علمي وصحيح!".

 يسارع الناس الى قلب الحذاء المقلوب كي يعدلوه، خوفاً من وقوع مكروه. وكأن لذلك حكمة. تبين الفتاوى الإسلامية أن "هذا لا يجوز لأنه تشاؤم، وان كانوا يفعلون ذلك تعظيماً للسماء أن يكون ظهر النعل إليها فهذا التعظيم لم يرد به الشرع ولو كان جعل ظهر النعل إلى السماء مكروهاً لجاءت به الشريعة".

حملت الناس "الخرزة الزرقاء" كتمائم لطرد الحسد ومواجهة العين الشريرة، وهي من أبرز المعتقدات التي توارثوها، لحفظ أنفسهم ودرء الشر، فعلقوها في سياراتهم، ويكاد لا يخلو منزل منها، كعين محدقة ترى كل أنواع الشرور. أما في لبنان، فاستخدمت الخرزة الزرقاء كشعار اختاره تيّار سياسي عصري لحملته في الانتخابات النيابيّة.

 القطة السوداء، البومة نذير الشؤم، الماء الساخن إن دلقته ليلا من دون بسملة يجلب الأرواح الشريرة، أمسك الخشب، لا تستحم يوم الأربعاء، رش الماء بعد المسافر، رف العين اليمنى يعني سماع خبراً محزنا، شق الثياب ينذر بوقوع مكروه.. أساطير الجدات والمعتقدات القديمة لم تعد ترعب جيل العلوم والتكنولوجيا، ينصرفون عن فعلها طواعية، تقاليد "بالية" لا يتحملون عبئها النفسي ولا السلوكي، طالما لا يتصورها عقل ولا منطق ولا يأمر بها دين.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية