"حب العزيز".. عشق قديم واختفاء غامض

السبت، 17 مارس 2018 ( 12:07 م - بتوقيت UTC )

"حب العزيز الربعة بقرش... حلو ولذيذ الربعة بقرش".. هكذا ردد المطرب عبد العزيز محمود في أغنيته الشهيرة التي ترتبط بنداء باعة "حب العزيز"، أما الربع المشار إليه فهو مكيال يستخدم في مواسم حصاد القمح والبقول في صعيد مصر.

أما حب العزيز نفسه، وعندما تبحث عنه في القاهرة وعلى الإنترنت والسوشال ميديا، سوف تجد إشارات وتعليقات مختلفة ولكنها تشير إلى اختفاء حب العزيز وصعوبة العثور عليه، وتراجع المعرفة به لدي الأطفال والشباب.

سؤال أنتجه حديث مع صديق عن بعض الأشياء القديمة التي كانت معروفة في مصر، قادني إلى البحث أكثر عن حب العزيز كونه حب قديم منذ أيام الطفولة حين يكون من السهل أن تجمع فى كلمة حب بين أكلة ومطرب مفضل وأغنية مقربة وحدث لا يغيب عن الذاكرة دون أن تشعر بوجود تناقض بين تلك الأشياء. خرجت من الحوار إلى سؤال أكبر عن غياب حب العزيز، ولماذا أصبح من الصعب أن أجده بشكل طبيعي على الأقل في القاهرة ووسط الأماكن التي أمر عليها.

اجابات متنوعة على الإنترنت، البعض يقول هناك من يبيعه في طنطا سواء داخل محطة القطار أو داخل القطار وقت انتظار موعد الرحيل، وأن طنطا أحد الأماكن التي تشتهر بحب العزيز، وهو ما يعني أن الوصول إلى حب العزيز قد يحتاج رحلة إلى طنطا من أجل البحث عن حب قديم يغلفه شجن الاختفاء المريب.

ولكن من جانب آخر تعد أسيوط وتحديدا البداري واحدة من الأماكن التى تشتهر تاريخيا بحب العزيز، حيث عثر عليه في مقبرة من مقابر حضارة البداري الشهيرة. وبهذا، قد أحتاج رحلة للصعيد وجذور العائلة في أسيوط بحثاً عن ذكريات لا زالت حية حتى وإن كانت مجرد قصص متناقلة، ومعها حب العزيز.  

حب العزيز وعلاقته التاريخية بمصر

يقول داود الأنطاكي عن حب العزيز في تذكرته "هو المعروف في مصر بحب العزيز، لأن ملكها كان مولعا بأكله، ويسمى بالزقاط بالبربر... ومنه نوع بمصر يزرع بالإسكندرية وأجوده الحديث الزين الأحمر المفرطح الحلو، ويليه الأصفر المستطيل وهو الكثير بمصر".

وحب العزيز هو درنات نبات سعد اللذيذ، وله اسماء عديدة منها حب الزلم ولوز الأرض وسعد السلطان وغيرها، والاسم العلمي هو Cyperus esculentus. وموطن نبات سعد لذيذ هو حوض البحر الأبيض المتوسط والقوقاز. ونبات حب العزيز شجري يشبه في شكله نبات الرمان، أوراقه بيضاء اللون إلى رصاصي، والأغصان طويلة يميل لونها إلى اللون الأحمر. وتحمل الشجرة ثمارا مستديرة فى حجم الحمص الكبير وهو لين الملمس فيه لزوجة وطعمه حلو المذاق.

يرتبط اسم حب العزيز بمصر بشكل خاص حيث تعود تسميته بهذا الاسم إلى حب أحد السلاطين له وتشجعه على زراعته بما أدى إلى انتشاره وارتباطه بالنداء الذي يردده الباعة “حب العزيز الربعة بقرش”. وتشير دراسة صادرة عام ٢٠٠٠، إلى أن سعد اللذيذ من "أقدم النباتات التي تم زراعتها في مصر.. وأنه كان أحد أهم العناصر الغذائية في مصر القديمة، وأن زراعته في تلك الأوقات التاريخية القديمة تبدو وكأنها تخصص مصري بشكل كلي أو شبه كلي".

وقد عثر علماء الآثار في بعض مقابر البداري، كما سبق الإشارة، على ثمار حب العزيز، وعثر على كوبمملوء بثماره في إحدى حجرات دير أبو النجا، وحول رقبة مومياء الأمير "كنت". وتعود جذور الثمار الجافة التى تم العثور عليها في المقابر القديمة إلى ما يقرب من ٦ الآف سنة. وفي تلك الأوقات كان يتم استخدام الدرنات في البيرة عن طريق السلق، أو استخدامها عبر التحميص، أو في تصنيع الحلويات بعد طحن الثمار وخلطها مع العسل.

ويستخدم حب العزيز بصور مختلفة والجزء المستخدم منه هو الدرنات التي تستخدم طازجة للأكل وفي عمل عصير يشبه عصير القصب، وفي إنتاج الدقيق والزيت. وكان يتم استخدامه قديما بوصفه فاكهة، كما ظهر في الوصفات الفرعونية ضمن وصفات من أجل طرد ديدان البطن وعلاج العين والاكزيما، ووصفات ضد حكة الجلد والتهابات الرحم. وتتنوع الاستخدامات الطبية المتكرر الإشارة إليها حديثا من علاج الصداع، إلى تهدئة الأعصاب وعلاج حالات التوتر والاكتئاب، وزيادة الوزن (التسمين)، وعلاج الأمراض الجلدية، وتنشيط الذاكرة والقدرة على الحفظ. إلى جانب استخدامه من أجل تحسين رائحة المنازل والملابس.

الاختفاء والشجن

تحمل الذاكرة صور مختلفة عن حب العزيز وطريقة البيع، لا أتذكر مرحلة الشراء من محلات العطارة رغم أن البعض يؤكد على توفره فيها، ولكن في مرحلة سابقة كان من الممكن أن تجد حب العزيز مع بائع متجول وعربة خشب صغيرة أو متوسطة الحجم في الشوارع بكل سهولة.

ورغم أن الصورة التقليدية المرتبطة بحب العزيز وبعض الأشياء المشابهة ترتبط بالعربة الخشب التي يحركها البائع بنفسه وهو ينادي البضائع، تنقل الأخبار أن من يقوم بالبيع في محطة طنطا يستخدم "مخلة" من القش الملون وهو أمر قد يناسب البيع داخل القطار وسهولة الحركة. لكن تظل لحظة لقاء حب العزيز أو سماع النداء "قرب واشترى حب العزيز"، أو "حب العزيز الربعه بقرش" جزء من ذاكرة الحب ومعنى الافتقاد.

اختفى حب العزيز لسنوات، واختفت معه أشياء كثيرة كانت تباع فى شوارع وحواري القاهرة، خاصة أمام المدارس ومحطات القطار ونقاط التجمع الواضحة مثل المصالح الحكومية. وإن كان حب العزيز والجميز والترمس والحمص وأنواع أخرى من الحلويات ارتبطت بأجواء المدارس، فالطعام المجهز ومستلزمات المنازل مثلت الجزء الأساسي من المبيعات بالقرب من أماكن العمل.

بعد اختفاء طويل، وصل إلى سنوات دون رؤية الباعة المخصصين لبيع حب العزيز، وفي أثناء التواجد في منطقة وسط البلد في القاهرة صادفته يقف وحيدا بعربته الخشبية والإناء الكبير الذي يحمل حب العزيز داخله. أشعر أحيانا بالأسف لعدم شراء كمية أكبر في ذلك اليوم الذي مثل اللقاء الأول بعد سنوات غياب واللقاء الأخير أيضا منذ سنوات.

أتصور ان البائع وصله الاحساس بالفرحة لأن الاقتراب من العربة حمل مفأجاة سارة وربما غير متوقعة رغم أنها منتظرة، كانت لحظة التاكد من أنها عربة حب العزيز أشبه بالطفل الذى يحصل على شيء انتظره طويلا. وأعتقد أن جزء من تعبير الفرحة بالعثور على حب العزيز في تلك اللحظة كان محاولة لتأكيد أن هناك من لا زال يتذكر حب العزيز ويحبه ويبحث عنه ويسعد بأن يجده. الرسالة لم تكن للذات بقدر ما كانت للبائع والعربة وحب العزيز ومن لا زال يهتم بزراعته ويهتم بأن يستمر فى الوجود فى شوارع القاهرة التى تفقد مع الوقت الكثير من التفاصيل التى تحمل معنى لا يمكن أن تضيف إليه الحداثة أو تعوضه.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية