أدباء في متاهة الشرق.. الرواية في مواجهة صدمة الوعي

الأربعاء، 28 مارس 2018 ( 04:44 ص - بتوقيت UTC )

يهدي الكاتب الصحافي جهاد الرنتيسي كتابه "روائيون فى متاهة الشرق" إلى إدوارد سعيد باعتباره "ومضة تستعصي على الظلام". ولا يتصور أحد إمكانية تناول كتاب الرنتيسى الصادر عن دار ابن رشد في العام 2016 من دون أن يضع حديث سعيد عن المثقف في مساحة ما في الخلفية، لأن الكتاب في فكرته الأساسية، يتمحور حول دور المثقف في المجتمع، ودور المواطن في قراءة ما يكتب، ومسؤولية تلك القراءة عن التطورات التي تشهدها المنطقة. حيث يوجه الكاتب النقد للكثير من النقاط التي لابد أن تسير عبرها بدقة بحثاً عن الرابط الذي يجمعها قبل أن تدخل إلى عالم الروايات، وهل كانت قادرة على قراءة واقع دولها والمنطقة من عدمه.

المثقف في مواجهة صدمة الوعي

يواجهنا العنوان من البداية بجزء من توصيف الحالة التي يقصدها وهي حالة الصدمة، ولكن الشرق لا يواجه صدمة واحدة ولكنها صدمات تولد صدمات، وتمثل جزءاً من حالة صدمة الوعي. تلك الصدمة الأساسية التي تتشكل من صدمات تعود جذورها إلى عقود، وضع يؤكد أن عدم قراءة الصدمة وتعريفها منذ البداية يترتب عليه سوء تقدير يفرز بدوره المزيد من المشكلات التي تتعمق وترتب أسباب المزيد من الصدمات.

تعبر "صدمة الوعي" عن نفسها بقوة كما يقول الكاتب في أن "حدث الربيع المفترض - في إشارة إلى الربيع العربي - كان بعيداً عن مخيلات معظم هذه النخب الثقافية التي اعتادت نمطية العيش في منطقة أدمنت وتيرة معينة للحياة، وأسقطت بإدمانها ذاك احتمالات زيادة جرعات تأثير فعل العولمة المتعاظم على مجتمعاتها".

لكن المشكلة الأساسية أن الموضوع كما يطرحه الكتاب يتجاوز فعل العولمة، ويتجاوز عدم القدرة على قراءة اللحظة أو ما سبقها من تطورات مباشرة بخاصة وأن عدم قدرة المثقف على قراءة الصدمات يمثل حالة تمتد على مدار عقود طويلة.

الفشل في قراءة الصدمات السابقة أفرز صدمات متنوعة عبر السنوات، تمخضت بدورها عن الصدمة الخاصة بالربيع العربي كما يراها. الفشل رتب فشل، وسوء القراءة تمخض عنه صدمات جديدة، وعدم القدرة على قراءة الصدمات السابقة ينجم عنه فشل في قراءة الصدمات اللاحقة التي لا يمكن قراءة ما قبلها أو تفهم تطوراتها أو الحيلولة دون حدوثها. ولهذا يعود بجذور صدمة الربيع العربي إلى أسباب كثيرة تبدأ منذ السيطرة العثمانية، وسيطرة التيار الإسلامي على مقاليد السلطة والتفكير في المنطقة.

 

 

الصدمة وغياب الخيال

يعيب الكاتب على المثقف أنه كان بعيداً عن التطورات التي حدثت في طور تشكلها. ولذلك لم يكن لدى المثقف رؤية سابقة عن التطورات التي تحدث وما يمكن أن تتمخض عنها، ولهذا لم يكن قادراً على توقع تلك التطورات، ولم يكن قادراً على قراءتها، وعندما حاول التعامل معها استخدم الخطاب الغربي المعد سلفاً وبخاصةوصف "الربيع" الذي ارتبط بوصف تحركات شعبية في مناطق أخرى مثل "ربيع براغ" من دون إدراك ظروف المنطقة وعلاقة المصطلح بما يحدث فيها حقاً.  ويرى الرنتيسي أن كل تلك السلبيات وغيرها تعد جزءاً من غياب الخيال والإبداع لدى المثقف، مع تدني حالة البحث العلمي في المنطقة بشكل عام وغيرها من الأمور، ويؤكد أن الرواية تقف في مساحة متفردة تسمح للكاتب بالمزج بين الواقع والخيال.

بالفعل تبدو الرواية وكأنها مساحة الخيال التي يفتقدها المثقف، إلى جانب أن قراءة التطورات التي تحدث عبر السنوات من خلال الرواية وتطورها في دولة ما، مع تناول الأسباب التي ترصدها الرواية عبر الشخوص التي تمثلها تقدم مدخلاً مهماً لمحاولة تعويض الفجوة القائمة لدى المثقف. والمهم أن تظل في إطار دورها بوصفها عاملاً مهماً ومساعداً في فهم الواقع وإدراك أبعاد الصدمة، وإفرازات كل مرحلة مرت على دول المنطقة، دون أن يتم تضخيمها وتجاوز غيرها من الأدوات التى يمكن أن تساعد فى فهم الواقع. 

ينتقد الكاتب الربيع العربي، وإن لم ينتقد التظاهرات السلمية التي نظمها الشباب الغاضب، إلا أن جزءاً كبيراً من المشكلات التالية -كما يرى- كان نتاجاً لركوب موجات جماعات الإسلام السياسي لتلك التحركات، وتوسيع نفوذ السلفية الجهادية في المنطقة. ولكن يغيب عن الأسباب هنا سياسات السلطة في تلك الدول سواء ما قبل الأزمة أو خلالها وبعدها بكل ما أفرز الواقع الذي قاد إلى التحرك الشعبي، وقاد تحوله إلى ثورات، وإلى ما حدث من تطورات. ولكن المهم أن الربيع العربي يمثل الصدمة الحالية التي تفرض نفسها على المشهد. 

صدمة الربيع العربي وغياب التنبؤ

يرى الرنتيسي أن صدمة "الربيع العربي" تمثل مرحلة من المراحل التى واجه فيها العقل العربي فكرة صدمة الوعي، ولكنها ليست الأولى ولا يتصور أن تكون الأخيرة بالنظر لحقيقة غياب الاعتراف بأنها صدمة، وبالأسس التي أدت إليها كما حدث مع غيرها من الصدمات السابقة. وتعبر الصدمات السابقة التي يشير إليها الكتاب عن جزء من أفكار الكاتب الأساسية، حيث اعتبر أنها افرازات من "مراحل انهيار الدولة العثمانية، الحرب العالمية الثانية، المشروع الصهيوني في فلسطين، ونهاية العالم ثنائي القطبية"، كل تلك الإفرازات في النهاية ساهمت بنسب متفاوته في مراكمة مقدمات ما عرف بالربيع العربي.

هناك إفرازات أوصلت المنطقة إلى اللحظة، ومن شأن إفرازات اللحظة أن تؤسس لإفرازات جديدة كما يرى، أما المحركات المهمة لتلك الإفرازات فتمثلت في ظهور الإسلام السياسي ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين بكل ما ارتبط بهذا من تطورات في مصر وأفغانستان وإيران وغيرها.

ولكن تلك الأوضاع تمثل تحدياً للكاتب وللرواية كما كانت هناك تحديات أمام المثقف، تحديات لا تبتعد عن الهامش الرفيع بين الثقافة والسياسة، وكيف يستطيع الكاتب أن يعبر عن الأوضاع دون أن يتماهى في السلطة وتتشوه منتجاته النهائية، وكيف يمكن له أن يتحرر من سيطرة الإيديولوجي وفتح مساحات جديدة للتناول.

يؤكد الكاتب عبر الكتاب وفي لقاءات وتصريحات بعد صدور الكتاب على أهمية ترشيد الأسئلة وإعادة طرح أسئله جديدة. وتعد التساؤلات المباشرة وغير المباشرة التى تطرح على هامش نقاش المثقف والكاتب، وقدرتهم على قراءة الواقع والتعبير عنه عامل أساسي في اختيار الروايات التي يتناولها كتاب "روائيون على هامش الشرق" ناهيك عن اختيار اقتراب التعامل مع الواقع عبر الرواية.

ويتبنى الرنتيسي رؤية تتعامل مع الشرق الأوسط بمفهومه الواسع، حيث يضم روايات من تركيا وأفغانستان، كما يتجاوز حدود الدولة القومية للبحث عن كتابات الأقليات داخل الدول وكيف ترى علاقتها بالغالبية، وكيف ترى مشاكل المنطقة من وجهة نظرها ووضعيتها الخاصة.

إبراهيم عبد المجيد وقراءة حال مصر

يمثل مدخل الرواية جزءً أساسياً من اهتمامات كاتب تلك السطور، ولهذا يعد الكتاب شديد الأهمية في جزء منه بسبب هذا المدخل، إلى جانب اعتبارات أخرى لعل منها القضايا المطروحة إلى جانب قدرته على توليد الأسئلة. في هذا السياق أحسن الكتاب في تعامله مع الرواية بوصفها مدخلاً، وفي التعامل معها بوصفها إطاراً ممتداً، وتحول الأمر إلى التجربة التي يعبر عنها كاتب ما مثل إبراهيم عبد المجيد في مصر، هو في النهاية لا يقتصر على تناول عمل محدد للكاتب ولكن إلى قراءة الواقع عبر الكاتب وما كتبه على مدار سنوات ممتدة تحاول تشريح التطورات التي شهدتها وتشهدها مصر. كيف تتطور الشخصيات في رواية "هنا القاهرة- 2014"، وكيف ترتبط بما سبقها من أعمال عبد المجيد، وكيف تتسع مساحة البحث عن خلاص فردي في ظل اتساع هوامش تديين السياسة، وتسييس الدين كما يسميها.

كيف يتغير الشخص العادي، وكيف تبدو صورة المثقف في رواية عبد المجيد، وكيف تتطور مع التغيرات السياسية التي حدثت وانتقلت عبرها مصر من يسار ناصري إلى يمين الجماعات الدينية مثلا، وكيف كان من الضروري إحداث حالة من الصدام بين تلك القوي بصورة حددت ملامح الحياة السياسية بكل أفرازتها. ومن "هنا القاهرة" إلى أعمال عبد المجيد الأخرى وخاصة ثلاثية الإسكندرية، إلى الرابط بينها وبين صنع الله إبراهيم وبهاء طاهر، وخصوصا ما يتعلق بدور المثقف وأدب السجون.

ما فعله الرنتيسي في تناول حالة مصر عبر إبراهيم عبد المجيد يقوم به مع الحالات الأخرى التي تناولها في فلسطين وسوريا وأفغانستان والعراق وإيران وتركيا والكويت واليمن ولبنان. اقتراب مهم من الأدب، واستمتاع بعالم الرواية وتلك حقيقة ولكنه في عمق هذا التناول يضعنا في قلب مقولة أدوار سعيد التي يقول فيها أن "مهمة المثقف والمفكر تتطلب اليقظة والانتباه على الدوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار"، وهذا لا يحدث دمن ون توسيع المعرفة وإعادة طرح الاسئلة، وتنقيح الاسئلة وصولا لاجابات قد تقود إلى اسئلة جديدة. المهم أن نعترف أن هناك صدمات، والاعتراف أول طريق العلاج.

 

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية