"الخرز الأزرق والكفّ والعين".. من الأساطير إلى الزينة

الأربعاء، 7 مارس 2018 ( 07:01 ص - بتوقيت UTC )

الخرزة الزرقاء، والكف، والعين، موروثات شعبية ارتبطت بالحضارات العربية القديمة، والفرعونية المصرية بالأخص، لاعتقادهم بأن هناك قوى خفية شريرة تسبب لهم الأذى والضرر. استخدامها في السابق يختلف عن اليوم، وإن كان التشابه يكمن في كونهم إبطالاً لعين حاسد، أوحماية من الشر.

حديثاً يستخدمها البعض كحُليّ أو اكسسوارت، أو زينة على باب المنزل، أو في السيارة. أما قديماً، فكانت تُستخدم كـ "تمائم وتعويذات" لدرء اللعنات، ومنع الأذى، واتقاء سوء الحظ، أو التحصن ضد السحر، أو ضد الحسد وأعين الحاسدين، وإبعاد الأرواح الشريرة، والوقاية من الأمراض، بالإضافة لقدرتها السحرية على تحقيق الرغبات والأمنيات الطيبة، بحسب ما ذكر الكاتب المصري مختار السويفي في ترجمته لكتاب "مجوهرات الفراعنة".

ولعل أشهر المعتقدات، وأكثرها تقبلاً وانتشاراً هي: العين، والكفّ، والخرزة الزرقاء، التي تُبطل سحر قوى الشر الخفية. 

الأمر لم يتوقف عند الحضارات القديمة، بل أيضاً تردد  رمز العين في الأمثال الشعبية، والحكايات التراثية، وارتباطه بالحسد المتغلغل في الثقافة الشعبية، التي تؤكد أن "عين الحسود فيها عود"، و"العين فلقت الحجر"، حتى أن أغاني الزمن القديم تحدثت عنها، فعلى سبيل المثال؛ غنى المطرب المصري الراحل محمد عبد المطلب "يا حاسدين الناس مالكم ومال الناس"، وغنت فايزة أحمد "إلهي يحرسك من العين" و"يا صغيرة يا أحلى بنات الحارة.. خوفي عليكي من الحسد والجارة".

حضارات قديمة

تختلف الروايات حول تفسير رمز كل من الكف والعين المرسومة على خرزة كروية أو مفلطحة، والتي غالباً ما تكون زرقاء، وكذلك رمز الخرزة الزرقاء. بحسب الروايات التاريخية القديمة، أن الشعوب السامية التي سكنت أطراف البحر الأبيض المتوسط، هي التي رسمت الكفّ التي تحمل في منتصفها العين الزرقاء، بهدف ترهيب الرومان الذين استعمروا بلدانهم في حقبة التاريخ. والعيون الزرقاء كانت تميّز الرومان عن الشعوب المستعمرة آنذاك، وهو تعبير صريح عن رفضهم للمستعمر الجديد، فكانوا يحملون عصياً في أعلاها رمز الكف مع العين الزرقاء، كتهديد باقتلاع أعينهم، أو الاكتفاء بإلصاقه على أبوابهم.

وفيما بعد أصبحت رمزاً للحماية من كل شر، يرتدونها كقلائد في أعناقهم، أو يعلقونها على جدران منازلهم.

قلائد فرعونية قديمة

فيما تقول بعض الروايات؛ أن أصل "الخرزة" يرجع إلى القدماء المصريين، الذين كانوا يخافون من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء، ويرفضون وجودهم على الأراضي المصرية. ففي الحضارة الفرعونية المصرية؛ عرف المصريون القدماء اللون الأزرق، ومدى ارتباطه بالحسد، وذلك من خلال (عين حورس)، وهي عبارة عن شعار مصري قديم، يُستخدم للحماية من الحسد، ومن الحيوانات الضارة، ومن المرض. وهي على شكل قلادة يتزين بها الشخص، وكانت ترمز لديهم إلى القوة الملكية المستمدة من الآلهة "حورس" أو "رع".

وقد كان الفراعنة القدماء يزينون الأموات بقلائد ذات خرزات زرقاء توضع على صدور المومياء في القبور، لاعتقادهم بأنها تحميهم من شر الأحياء، حتى أن العين كانت تُنقش على توابيتهم، وملابسهم قديماً. إذ يكشف الباحث البريطاني سيريل ألدريد في كتابه "مجوهرات الفراعنة" أن الحُلي التي كانت تُستخدم لتزيين الرقبة أو العنق، تطورت عن الشكل البدائي المتمثل في تلك التعويذة التي كانت تتدلى من خيط أو رباط يحيط بالعنق، والتي استخدمها الإنسان البدائي ليقي نفسه من القوى الخفية الموجودة في الطبيعة، وكان يعتقد أنها ترسل عليه الأعاصير، والفيضانات، والبراكين، والزلازل، وتصيبه بالأمراض.

عين حورس في الحضارة الفرعونية

ويذكر  ألدريد؛ أن أكثر التمائم شيوعاً واستخداماً بين المصريين القدماء كانت التميمة أو الرقية المصنوعة من الخرز، وأنه لم تكن هناك أمة من أمم العالم القديم كله مثل مصر التي صنعت هذا القدر العظيم وهذه الكميات الهائلة من الخرز، لشعورهم بالجانب الجمالي في أشكال وألوان تلك المواد الطبيعية، إلى جانب اعتقادهم في القوى السحرية لتلك الخرزات، واختار الفراعنة اللون الأزرق لارتباطه بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس (رمز الإله رع عند المصريين القدماء)، وتعيش فيها الآلهة وتحمي الإنسان وتباركه·

تمائم قديمة

وفي بلاد الرافدين؛ كان اللون الأزرق مقدساً لاعتقادهم أنه حجر كريم محاط بأسرار إلهية. وكان البابليون يعتقدون أن "أم سبع عيون" لها دور وقائي من النفس الشريرة، أو الشعاع المنبعث من العين الحاسدة؛ حيث يتشتت أو ينقسم إلى سبعة أقسام تفقد قابليتها على الإيذاء للأشخاص المحسودين، لأنها تُجذب لهم، فتأتي العين فيها لا في الشخص.

من جهة أخرى عرف الفنيقيون العين الزرقاء أو الخرزة الزرقاء، وكانت رمزاً لآلة القمر، وعند احتلالهم لبلاد المغرب تأثرت الحياة الاجتماعية للسكان، حيث تأثروا بعاداتهم وتقاليدهم كوضع "الخميسة" على أبواب المنازل درءً للعين والحسد. كما يتم استعمالها في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث تأخذ التميمة شكل الكف وتسمى بـ "الخمسة" أو "يد فاطمة" أو "يد مريم"، وغالباً ماتكون زرقاء أيضاً.

اليد المعروفة بـ الخمسة

الخزرة الزرقاء ضمن التراث الثقافي التركي 

ومن الشعوب التي عرفت "الخرزة الزرقاء" والعين أيضا، الشعب التركي؛ حيث يستخدمها الأتراك بشكل خاص في كل تفاصيل حياتهم، ويعتقدون حتى يومنا هذا، أنها ترد العين والحسد و"النحس"، ويتفنون في صناعتها، شكلا ولوناً، ويهتم بها كافة فئات المجتمع. ولا يؤمن الأتراك بالخرزة من ناحية دينية، إنما يعتبرون أن هذه الخرزة الزرقاء، أو العين الواحدة، تعمل على جذب الانتباه، وبالتالي تشتيت تركيز العين الشريرة الحاسدة، والتخلص من تأثيرها السيء.

وتتمثل العين المرسومة على خرزة زرقاء كروية الشكل، كتميمة تُعرف باللغة التركية بـ "Nazar Boncuk" وهي ترمز للعين المحدقة في الكون، تقوم بدرء الشر وتُحصن حاملها من المخاطر.  ويرمز اللون الأزرق إلى الماء العذب الذي يعطي الحياة.

في عام 2014،  تمكنت تركيا من إدراج بعض من القيم الثقافية والتراثية إلى قائمة "اليونسكو" للتراث الثقافي غير المادي، كانت على رأس تلك القيم الثقافية والتراثية، "الخرزة الزرقاء"، ما يشكل لدى الأتراك قيمة تراثية وثقافية. ولا يكاد يخلو بيتاً منها، كذلك الأسواق والمحال التجارية، وخاصة تلك التي تبيع (الإكسسوارات)، وأدوات زينة المنازل، فهي تحرص على إدخالها في كل شيء، لكثرة الطلب عليها من قبل الزبائن. بحسب وكالة الأنباء التركية.

 أحجار كريمة

لا يوجد تاريخ محدد لأصل للخرزة الزرقاء. يقول البعض إنها تعود للقرن السادس قبل الميلاد. قبل اعتناق الإسلام، كان الإيمان بتأثير الحسد، يختلف باختلاف الوضع الاجتماعي، فالأغنياء استخدموا الحلي المصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة لهذا الأمر، بينما استخدم العامة الخرز الأزرق المصقول. 

وذكرت مصممة المجوهرات حنين أبو غزالة؛ أن الخرزة الزرقاء أصلها من "الفيروز"، وهو أول حجر اكتُشف من المجوهرات. وقد استخدمه الأقدمون في الدول العربية، وشعوب المايا في صناعة تماثيل الآلهة، كما كان يستعملها المحاربون القدماء في حروبهم لاعتقادهم بأنها قادرة على حمايتهم من الحيوانات المفترسة.

وتشير أبو غزالة إلى أن الحجر الأزرق يتكون من الحديد والنحاس ومعادن أخرى موجودة في الأرض وفي جسم الإنسان، إذ تتدرج ألوانه من الأزرق الغامق إلى الأزرق المخضر. وترى أبو غزالة أن لون هذا الحجر كان دائماً لافتاً للنظر، وقد تم الاعتقاد بقدرة الخرزة الزرقاء على رد العين الحاسدة وتشتتها.

ومن ناحية علم الطاقة، تُبيّن أبو غزالة أن للخرزة الزرقاء القدرة على امتصاص الطاقة السلبية وإزالتها، كما أن لكل حجر خاصية وطاقة مختلفة عن الأخرى، فطاقة الفيروز مفيدة للاستشفاء من الأمراض الجلدية، حيث يتم خلطها مع السمن والعسل بإضافة مياه مقطرة لشربها. وغالباً ما تلبس الخرزة الزرقاء عند منطقة العقد، حيث تساعد منطقة الغدة والحلق والصدر، كما تساهم في شفاء الحلق والبلعوم، ومنح الراحة للإنسان. وهناك بعض النساء يلبسن الخرزة الزرقاء في المعصم استنادا لمقولة تداولها العرب طويلاً "من تتختم بالفيروز أتاها الرزق".

وتؤكد أبو غزالة؛ أن وعي الناس ازداد مؤخرا بفوائد الأحجار الكريمة؛ سواء في الاستشفاء أو في الزينة، فضلا عن فوائدها في الطب العادي البدني، و الروحاني، كما وكذلك في الطب البديل والطب المساعد.

في المجتمعات العربية نجد أن الحرص  على اقتناء الخرزة الزرقاء أو العين، بمثابة نوع من أنواع الحُليّ والزينة داخل المنازل، كأن تأتي العين وسط كفّ، أو خرزة كبيرة زرقاء يتوسطها عين، لأن المتعارف عليه أن اللون الأزرق من الألوان الهادئة والتي تسحب الطاقة السلبية أينما وجدت. كما أن هذه الثقافات انتقلت للغرب عن طريق السفر والهدايا التذكارية والرمزية المتواجدة في معظم الدول العربية مثل مصر والأردن وفلسطين وسورية ولبنان والعراق، وكذلك الحال في بلاد المغرب العربي، وتركيا أيضاً.

 

ads

 
(3)

النقد

رووووعه...بالتوفيق ميس

  • 17
  • 26

ما يحرمني منك يارب

  • 22
  • 42

معلومات جميلة جدا 

يعطيك العافية ميس رائعة 

  • 26
  • 38

حياة الإخبارية

حياة الإخبارية